فهرس الكتاب

الصفحة 1250 من 3657

اختلاف صوره وألوانه، فلم يدع طريقا أو سبيلا لهدم الشرك والكفر إلا وقد سلكه مستخدما في ذلك لسانه وسنانه، وهذا كله يؤكد عصمته صلى الله عليه وسلم من الكفر والشرك وهذا أمر مشتهر وأعظم من أن يحتاج إلى دليل يؤكده.

ج- عصمته من الكذب في غير الوحي والتبليغ.

من المعروف عن سيرته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها أنه متصف بكل خلق فاضل من صدق وأمانة وبر وصلة رحم وإحسان وجود إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق التي جبله الله عليها منذ نشأته، وحري به صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك فقد اختاره الله لحمل الأمانة العظمى التي هي أداء الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة، فكان لابد من إعداده لهذه المهمة، ولذا فقد فطره الله على كل خلق فاضل كريم وقد جمع الله له خصال الخير كلها، فلم يكن يدعى إلا بالأمين، ومن الأدلة التي يستدل بها على اتصافه بالصدق قبل بعثته ما يلي:

ا- قول خديجة بنت خويلد [281] رضي الله عنها حينما أتاها النبي صلى الله عليه وسلم خائفا بعد أن لقيه جبريل في غار حراء وقال لها:"إني قد خشيت على نفسي"، فقالت له:"كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" [282] .

2-إجماع قرييش على الإقرار بصدقه حينما جمعها ليصدع بالدعوة جهرا فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [283] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي:"يا بني فهريا بني عدي"- لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب [284] وقريش، فقال:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي". قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا."

قال:"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد..."الحديث [285]

فالشاهد من الحديث قولهم"ما جربنا عليك إلا صدقا"فالنبي صلى الله عليه وسلم انتزع منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه، لعلمه بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة.

3-على تكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في دعوة النبوة إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على وصفه بالكذب في سواها فقد قال أبو جهل [286] للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به [287] فأنزل الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [288] .

وكذلك عندما سأل الأخنس بن شريق [289] أبا جهل بعد ما خلا به يوم بدر فقال:"يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليمر ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟" [290] .

4-ومما يستدل به كذلك جواب أبي سفيان [291] لهرقل [292] عندما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، عندما أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هادن فيها أبا سفيان وكفار قريش، فكان مما سأله عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

فقال أبو سفيان: لا

فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله [293] .

وبعد فهذه نماذج على صدقه صلى الله عليه وسلم وعصمته من الكذب قبل بعثته.

وكذا الحال بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فهذه أخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستوفاة تفاصيلها لم يرد في شيء منها تداركه صلى الله عليه وسلم لخبر صدر منه رجوعا عن كذبة كذبها، أو اعترافا بخلف في خبر أخبر به ولو وقع شيء من ذلك لنقل إلينا.

ومن المعلوم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله والثقة بجميع إخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت دون توقف أو تردد في شيء منها أو استثبات عن حاله تلك هل وقع فيها سهوا أم لا" [294] ."

وهذا كله يؤكد عصمته صلى الله عليه وسلم من الكذب بأي حال من الأحوال.

قال القاضي عياض:"وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم."

هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت