فهرس الكتاب
وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته، وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم، كقوله:"إني حاملك على ولد الناقة" [295] ، وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها:"أهو الذي بعينه بياض" [296] وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة، وكل إنسان بعينه بياض، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إني أمزح ولا أقول إلا حقا" [297] .
د- عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر التي دون الشرك:
جبل الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [298] فخلقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} ، فهو صلى الله عليه وسلم منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:
-حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه [299] : يا ابن أخي لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحله على منكبه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد عريانا صلى الله عليه وسلم" [300] .
-وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" [301] .
وعن علي رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل عبدت وثنا قط؟،
قال:"لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال:"لا ومازلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان" [302] .
فهذا عن عصمته قبل مبعثه فما بالك بعد مبعثه والأمر لا يتعلق بنفسه فقط بل يتعداه لغيره بكونه هو القدوة ومعلم الناس وهاديهم ومرشدهم بل إن كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله يعد تشريعا تأخذ به أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأمر عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر أمر دلت عليه النصوص من القرآن والسنة ويكفي المسلم أن يقرأ في ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} فهذه تزكية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم توجب سلامته من كل ما يحط من منزلته ويقدح في نبوته بما في ذلك الكبائر.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له"الحديث [303] ومما يندرج تحت هذه الخشية والتقوى، بُعده عن كل ما يسخط الرب عز وجل ومن ضمن ما يسخطه ارتكاب الكبائر، فهو صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عنها لكمال لخشيته وتقواه لربه عزوجل، فلقد زكاه الله وطهر نفسه ولم يجعل للشيطان عليه من سبيل، وقد تقدم إيراد الحديث الذي جاء فيه أن جبريل شق قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير فاستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك [304] .
المطلب الثالث: مسألة وقوع الخطأ منه:
تقدم ذكر الأمور التي عصم فيها صلى الله عليه وسلم وبقي أن نعلم هل يقع الخطأ منه في غير ما تقدم؟، والجواب على هذا: أن القول الذي عليه أكثر علماء الإسلام [305] والذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة أن الخطأ يقع منه صلى الله عليه وسلم في غير ما تقدم ذكره ولكنهم يعتقدون الأمور التالية:
ا- أن الله لا يقره على هذا الخطأ الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم بل يوجهه الله للحق وقد يحصل له العتاب على ذلك.
2-أن الخطأ يقع منه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاجتهاد من غيرأن يتعمده ولذلك لا تسمى"معصية"فهذه العبارة تعد إساءة أدب معه صلى الله عليه وسلم ولا يصح إطلاقها في حقه صلى الله عليه وسلم.
3-أن ما يقع منه من هذا القبيل ليس مما يقدح في حقه أو ينقص من منزلته وقدره، ولقد سبق بيان الأمور التي عصم فيها صلى الله عليه وسلم وتلك الأمور هي التي في حالة وقوعها تقدح في حقه ومنزلته، وقد عصم فيها.