فهرس الكتاب

الصفحة 1271 من 3657

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" [108] .

والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءفأتوا منه ما استطعتم".

وهذا التوجيه النبوي الكريم مماثل لما سبق في الأحاديث السابقة من الحث على لزوم السنة والتأكيد على اتباعها والأخذ بها إلا أنه يضيف أمرا هاما وهو أن الطاعة في جانب المأمورات تجب في حدود الاستطاعة والطاقة، وهذا من اليسر الذي امتازت به الرسالة المحمدية قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [109] .

ففي جانب الأوامر علينا السمع والطاعة في حدود ما نطيق ونستطيع، أما في جانب النواهي فيجب التسليم المطلق دون قيد أو شرط.

فبهذه الإضافة يتحدد معلم من معالم الطاعة يجب على المسلم أن يدركه ويعي مضمونه.

د- بيانه لمواقف الناس من الأخذ بدعوته واتباع سنته صلى الله عليه وسلم.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن مثل ما بعثني الله به عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله منها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله به فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" [110] .

وفى هذا الحديث قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس - فيما يتصل بدعوته - إلى ثلاثة أقسام. وشبه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.

وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [111] .

وكما أن الأراضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:

إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت، ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج.

فذلك مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.

والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه، فهذه تنفع الناس لورودها والسقي منها والازدراع.

وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، فلا تصرف فيه، ولا استنبط، بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه" [112] .

فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بماله ما شاء.

والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب، ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف والتقلب فيه.

والأرض الثالثة: أرض قاع، وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يمسك ماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء.

فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية، وإنما هو بمنزلة الأرض البور التي لا تنبت ولا تحفظ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالا.

• فالأول: عالم معلم، وداع إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.

• والثاني: حافظ مؤد لما سمعه، فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.

• والثالث: لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم.

منها قسمان: قسم سعيد، وقسم شقي" [113] "

المطلب الثالث: دليل الإجماع على وجوب طاعته:

الإجماع من الأمة منعقد على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في جميع ما جاء به من ربه عز وجل، وذلك لثبوت الأمر بهذا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن الأمر بوجوب طاعته صلى الله عليه وسلم يعد من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر إنسان بجهلها.

وقد حكى الشافعي رحمه الله تعالى إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على أن من استبانت له سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد.

ولم يسترب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي فإن الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى [114] .

وقد تمثل إجماع الأمة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في اعتبار السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع وذلك بعد المصدر الأول الذي هو القرآن الكريم [115] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت