فهرس الكتاب

الصفحة 1270 من 3657

ويا خزي وندامة من خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [102] ، وقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا} [103] .

ج- حثه صلى الله عليه وسلم لأمته على التمسك بسنته وتحذيره من مخالفتها.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا."

وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.

وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [104] .

وحديث أنس هذا يعد قاعدة جليلة من قواعد التأسي والاتباع وذلك لما حواه من توجيهات هامة جدا في هذا الشأن منها:

أ- أن الابتداع في الدين أمر مردود وغير مقبول بل يعد من الرغبة عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والخروج عن شريعته، ومن أجل ذلك فليس لأحد كائنا من كان سوى النبي صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان من أصحابه - أن يشرع في هذا الدين أو يدخل فيه أمرا حتى وإن كان ذلك بدافع التقرب إلى الله. فأولئك النفر من الصحابة رضوان الله عليهم دفعهم حب التقرب إلى الله إلى أن قالوا ما قالوه من الأمور التي تعد من الرهبانية، ولما كان قولهم ذلك يعد مخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحنيفية السمحة وجههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصواب وحذرهم من أن يحيدوا

عن سنته ويرغبوا عنها بقوله"فمن رغب عن سنتي فليس مني"والمراد أن من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري فليس مني.

ومن هذا الحديث يعلم أن كل أمر ليس من سنته صلى الله عليه وسلم والشرع الذي جاء به فهو أمر مبتدع مردود على صاحبه إضافة الى اعتبار فاعله راغبا عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

2-حثه صلى الله عليه وسلم على التمسك بما هو عليه وهى الحنيفية السمحة فهذا ما دل عليه قوله:"لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء".

فالإسلام دين الفطرة ونبينا صلى الله عليه وسلم حرص بقوله هذا على سد باب التشديد المتمثل في الرهبانية فلا رهبانية في الإسلام، وفى هذا يقول صلى الله عليه وسلم:"إن الرهبانية لم تكتب علينا" [105] فعلى هذا فهي أمر مخالف لسنته وهديه صلى الله عليه وسلم. وعن العرباض بن سارية [106] رضي الله عنه قال:"وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" [107] ."

فوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.

وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما: 1- الاتباع. 2- ترك الابتداع.

ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته صلى الله عليه وسلم، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه صلى الله عليه وسلم وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.

ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.

فأين هؤلاء من وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت