ثانيا: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:"جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، قال: فاضربوا له مثلان فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس" [95] .
ثالثا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما مثلي"
ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعهن [96] ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" [97] ."
فهذه ثلاثة أحاديث اشتمل كل حديث منها على مثل معين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع ليكون أسهل في فهم المعنى وأبلغ في ترسخه في ذهنه.
ففي المثل الذي جاء في الحديث الأول ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه مثلا بالنذير الذي جاء لقومه يحذرهم من أن أعداءهم في طريقهم إليهم بعد أن رأى جيشهم على مقربة منهم وطلب منهم أن ينجوا بأنفسهم قبل أن يهلكهم عدوهم ويفنيهم.
وضرب لأمته مثلا بقوم ذلك الرجل الذين انقسموا إلى قسمين فكان منهم من صدقه وأطاعه فساروا من الليل فنجوا بأنفسهم من فتك عدوهم وكان منهم من لم يصدقه فبقوا في منازلهم فصبحهم عدوهم فقضى عليهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم هو النذير لهذه الأمة كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [98] ، فقد أرسله الله تعالى {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [99] ، لينذرهم عذاب ربهم الذي توعد به المخالفين منهم، وبين لهم شرع ربهم وما أمرهم به من قواعد وأحكام.
فمن أطاعه واتبع النور الذي جاء به والتزم شريعته فقد نجا من عذاب الله. ومن عصاه وخالفه ولم يتبع ما جاء به فقد استحق بذلك عذاب الله فله جهنم يصلاها مذموما مدحورا.
وهذا المثل يمثل جانب الإنذار والوعيد وهو جانب من جوانب الرسالة وأما الجانب الثاني وهو جانب البشارة - إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الله عنه بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [100] .
وأما جانب البشارة فهذا ما تحدث عنه الحديث الثاني وهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه فالمثل يتحدث عن ثلاثة أمور دار ومأدبة وداعي وقد جاء تأويل هذا المثل في الحديث نفسه فالداعي هو النبي صلى الله عليه وسلم والدار هي الجنة فمن أطاعه صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به فقد أجاب الدعوة واستحق دخول الجنة والتمتع في نعيمها. وأما من عصى النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه ولم يستجب لما جاء به فذلك الذي لم يستجب لدعوته فحرم من الدخول في الدار التي هي الجنة وحرم من الأكل من المأدبة التي هي النعيم الدائم في الجنة.
وأما الحديث الثالث: فالمثل المضروب فيه يصور مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على حماية الأمة من الوقوع فيما يسخط الرب تبارك وتعالى ويوجب عقابه وأليم عذابه، فهو صلى الله عليه وسلم الموصوف بقوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [101] .
والشاهد من الحديث قوله:"أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها"ومما لا شك فيه أن اقتحام الناس للنار ناتج عن مخالفتهم لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم ووقوعهم فيما نهى وحذر منه فبهذا يكون هلاكهم وعذابهم.
والمتأمل لهذه الأحاديث الثلاثة وما ضرب فيها من أمثال يدرك - إن كان له قلب وسمع سَلِيمان - ما في هذه الأحاديث من الحث على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه والأجر العظيم المترتب على ذلك، كما يدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته وعدم الانقياد له.
والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا هو التالي:
هل أنت ممن أطاع البشير النذير صلى الله عليه وسلم؟
وهل أنت ممن أجاب الداعي صلى الله عليه وسلم؟
وهل أنت ممن استجاب لتحذيره صلى الله عليه وسلم فحمى نفسه من نار جهنم؟
وقبل أن تعجل بالإجابة انظر إلى أعمالك وأقوالك هل هي وفق شريعته وما جاء به صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فههنا يكمن الجواب.
فيا سعادة من أطاعه واتبعه.