فالآيات السابقة وما كان على منوالها فيها خطاب لكل معرض عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه وشرعه الذي جاء به، وهي بما تضمنته من الوعيد الشديد بمثابة الإنذار لكل من كان على هذه الحال لكي يكون على بينة من أمره فيعلم على أي ذنب قد أقدم ولأي جرم قد ارتكب {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} [282] وذلك قبل أن يكون من أولئك الذين يتحسرون ويعضون أيديهم ندما في يوم القيامة {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} [283] . ومعلوم أن كل من ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قائل لهذه المقالة لا محالة. فنعوذ بالله ممن هذه حاله ويوم القيامة تكون نار جهنم مآله وقراره.
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على التحذير من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم
وحكم من خالفه:
جاءت السنة بمثل ما جاء به القرآن الكريم، فالأحاديث متوافرة، ومتعددة في هذا الشأن، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإعراض عن سنته والبعد عنها أو الانتقاص من قدرها ومكانتها أو مخالفتها.
وهذا التحذير منه صلى الله عليه وسلم والوارد في عبارات متنوعة وأساليب متعددة - كما سيمر عليك - يصور مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على حماية أمته وصيانتهم من الوقوع في هذا المزلق الخطير، ولا غرابة في ذلك فهو الموصوف بقوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} .
ومما ورد في تصوير مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره لهم من الوقوع في مخالفته قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه"مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال - فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
وهذا الحديث إضافة إلى كونه يصور مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته فهو يبين كذلك أن سبيل النجاة والفلاح إنما هو باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بها، وأن كل مخالف ومجانب لهذه السنة فهو يلقي بنفسه إلى التهلكة وذلك بسبب
بعده ومخالفته لشرع المصطفى ونهجه الذي جاء به.
ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته سبيل النجاة والفلاح وحثهم على سلوكه والسير عليه، كما حذرهم من سبل الهلاك والضلال وبين لهم ماضيها من الخسران والتعاسة الدنيوية والأخروية قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وهذه الوصية عامة لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد ختم الله الآية بقوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . والتقوى حقيقتها:"العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا فالمتقي يفعل ما أمره الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده".
وقال طلق بن حبيب [284] :"التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله" [285] . وطاعة الله تتحقق بطاعة رسوله والسير على نهجه وسلوك سبيله قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} .
وفي الحديث:"فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ومن عصى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله".
ولذلك فإنه لم يبق للإنسان إلا أن يختار أي الطريقين يسلك قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [286] وليتحمل بعد ذلك مسؤولية ما قدم من عمل كما قال تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [287] ، وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأِوْفَى} [288]
وإن المسلم الواعي العارف لأمور دينه يعلم أن الخير كل الخير في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته والسير على هديه، وأن الشر كل الشر في البعد عن سنته ومخالفته. ولذا تراه حريصا على سنة المصطفى متمسكا بها في كل أحواله وفي الوقت نفسه يحذر أشد الحذر من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والبعد عن سبيله ومنهجه. ومثل هذا الاعتقاد يجب على كل مسلم أن يعتقده ويطبقه في أقواله وأعماله ليسعد وينجو في دنياه وآخرته.