فهرس الكتاب

الصفحة 1319 من 3657

1-أحدها: علم العبد أنها ظل زائل، وخيال زائر، وأنها كما قال تعالى فيها: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [144] ونحوها من الآيات.

وسماها سبحانه {مَتَاعُ الْغُرُورِ} [145] ونهي عن الاغترار بها وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين بها، وحذرنا مثل مصارعهم وذم من رضي بها واطمأن إليها.

2-الثاني: علمه أن وراءها دارا أعظم منها قدرا وأجل خطرا، وهي دار البقاء، فالزهد فيها لكمال الرغبة فيما هو أعظم منها.

3-الثالث: معرفته بأن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها.

وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها.

فمتى تيقن ذلك ثلج له صدره، وعلم أن مضمونه منها سيأتيه، وبقي حرصه وتعبه وكده ضائعا والعاقل لا يرضى، لنفسه بذلك.

فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها ويثبت قدمه في مقامه" [146] ."

الزهد البدعي:

وهو الذي عليه حال كثير من المتصوفة الذين تركوا الكسب والاكتساب ولم يأخذوا بالأسباب، وانقطعوا انقطاعا تاما عن الوسائل المشروعة لتحصيل الرزق. فأصبحوا بذلك عالة على الناس يتكففونهم ويعيشون على صدقاتهم وزكاتهم وأوقافهم، وصاروا عضوا أشل في مجتمعاتهم، فأوقعوا أنفسهم في محاذير كثيرة منها:

1-دخولهم في الرهبانية التي نهى الشارع الحكيم عنها.

2-مخالفتهم لأوامر الله لعباده بالسعي في الأرض وطلب الرزق الحلال

3-وقوعهم في مسألة الناس مع قدرتهم على طلب الرزق فاستحقوا بذلك الوعيد الشديد الوارد في هذا الشأن.

فالواجب على المسلم الحذر من مشابهة هؤلاء في أحوالهم فالزهد المشروع إنما هو قلة الرغبة في الموجود لا قلة الرغبة في المفقود. وعلامة قلة الرغبة في الموجود إنفاقه في سبيل الله. فخلاصة القول: إنه من المعلوم أن كل دعوى لابد لها من دليل عليها، ليثبت صدقها ويؤكدها ويبرهن عليها.

قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [147]

وكذا الحال في دعوى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لابد لمدعي هذه المحبة من علامات وأدلة تؤكد دعواه وتبرهن صدق ما قاله. وما تقدم من علامات وأدلة تعد أبرز وأهم العلامات التي تدلل وتبرهن على صحة تلك الدعوى.

وعلى العموم فكل عمل يعمله المسلم مما حث الشارع على فعله يعد ذلك دليلا على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، شريطة تحري الإخلاص في ذلك العمل وإرادة وجه الله تعالى به.

وعلى هذا الأساس فإنه بقدر التزام المسلم بعلامات المحبة وحرصه على تطبيقها تتحدد درجة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ودرجة إيمانه كذلك.

فمحبته همسا هي جزء من أجزاء الإيمان، والإيمان كما هو معلوم يزداد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فتزداد المحبة بمقدار الالتزام بتلك العلامات. وتنقص بمقدار البعد عنها.

المطلب التاسع: التحذير من علامات المحبة البدعية

يظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله وهذا الصنف من الناس تراه منساقا مع عواطفه جاعلا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي صلى الله عليه وسلم حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى، محبة النبي صلى الله عليه وسلم ولقد حكم الله عز وجل بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} [148] .

فالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.

ولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم وبعداهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يتحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس فالبدع قد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم منها بقوله:"إياكم ومحدثات الأمور"وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بما جاء به النبي لا فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.

قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [149] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت