ولما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول [242] لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال رسول الله لا:"ادعوا لي عبد الله بن أبي [243] فدعاه، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟"
قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله قد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا". فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله ابن أبي على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله.
فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتى
فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه.
فاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: والله لا يدخله إلا يإذن من الله ورسوله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال:"اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه، فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنعم" [244] .
وفي رواية عند الترمذي:"فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ففعل" [245] .
وبعد. فهذا غيض من فيض مما ورد في تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وفي الحقيقة فإن كل مواقفهم تشهد لهم بتعظيمه واحترامه وتوقيره.
فلقد كانوا يعظمونه في ذاته فيتبركون بآثاره كفضل وضوئه، والأخذ من شعره، ودلك أجسامهم بنخامته، وغير ذلك مما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم [246] ، وهذا خاص في حقه صلى الله عليه وسلم.
كما كانوا يعظمونه في سلوكهم وتصرفاتهم معه صلى الله عليه وسلم فما كانوا ينادونه إلا بـ"يا نبي الله، يا رسول الله"كما كانوا يسارعون في إجابته ويعاجلون في طاعته، تحقيقا لقوله تعالى {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}
وكان صلى الله عليه وسلم عندهم معززا موقرا مهابا ولم يكونوا يعاملونه بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا. وكانوا يخفضون أصواتهم عنده صلى الله عليه وسلم حتى ما يكاد أحدهم يسمع الذي يليه امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ...} الآية.
فقد أدبهم الله مع نبيهم في الحدي والخطاب حتى يميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم.
وبذلك امتدحهم سبحانه وتعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} .
كما أنهم لم يكونوا ليتقدموا يين يديه بالكلام حتى يأذن لهم وذلك طاعة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} - حتى كان النبي- صلى الله عليه وسلم يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم الله ورسوله أعلم خشية أن يكون قولهم تقدما بين يدي الله ورسوله.
وإذا جلسوا بين يديه صلى الله عليه وسلم أعطوا هذا المجلس الشريف حقه من التعظيم والإجلال والتكريم حتى لكأنما على رؤوسهم الطير وذلك لما هم عليه من السكينة والأدب الشرعي الذي أدبهم الله به ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وكانوا لا يحدون إليه النظر تعظيما ومهابة له صلى الله عليه وسلم وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره فلا يقول شيئا إلا صدروا عنه وأطاعوه فيه وبادروا إلى امتثاله وتنفيذه والعمل به.
وكيف لا يكون الأمر كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان كل شيء في حياتهم، فقد كان معلمهم ومربيهم وقائدهم وقدوتهم، ومصلحهم في الدنيا والشهيد عليهم في الآخرة، وكان يعنى بهم أكثر من عنايتهم بأنفسهم، يهتم بما يصلحهم أكثر من اهتمامهم بمصالحهم، ويرى أنه بما حمله الله من أمانة تكوينهم ورعاية شؤونهم والسهر على مصالحهم، أولى بهم من أنفسهم، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية.
ولذلك فقد كان من البداهة بمكان أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وأن يكون هو الآمر الناهي، والسيد المطاع الذي لا رد له أمر ولا يخالف له رأي {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} .