فهرس الكتاب

الصفحة 1347 من 3657

فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [256] .

وعرف الأمة الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنا إلا أمرهم به، ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" [257] .

وقال أبو ذر رضي الله عنه:"لقد تركنا محمدا وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما" [258] .

وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فهو الرحمة المهداة للعالمين قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [259] فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.

ولقد جبله الله على مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة"محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، حتى يقولوا لا إله إلا الله" [260] .

وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارا على نفسه، وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه.

وكان أجود الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم ير قبله ولابعده مثله صلى الله عليه وسلم.

وقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما الإجلال والمحبة، فقد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا، وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة- كما يكون الظالم القادر- نقص أيضا، والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها [261] .

ولقد جمع الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم من الصفات والخصائص ما لم يجمعه لبشر وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ورعايته والقيام بحقوقه، وامتثال ما قرره في مفهومه ومنطوقه، والصلاة عليه والتسليم ونشر شريعته بالعلم والتعليم، وجعل الطرق مسدودة عن جنته، إلا من سلك طريقه واعترف بمحبته، وشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فياسعد من وفق لذلك وياويح من قصر عن هذه المسالك [262] (2) .

وما هذه المحبة والمهابة التي جعلها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا تبع لمحبته سبحانه وإجلاله.

ذلك لأن كل محبة وتعظيم للبشر إنما هي تبع لمحبة الله وتعظيمه فمحبة الرسول وتعظيمه إنما هي من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فأمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويبجلونه لإجلال الله له فهي من موجبات محبة الله وتعظيمه، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب ولا أجل في صدره من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر أصحابه رضي الله عنهم.

فإذا كان هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه مكانته التي بوأه الله إياها، فحرى بهذه الأمة أن تعرف له قدره وتعظم من شأنه وذلك بموجب ما شرعه الله وأمر به، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت