فهرس الكتاب

الصفحة 1348 من 3657

وهذا التعظيم والتوقير الواجب له صلى الله عليه وسلم على كل فرد من أفراد هذه الأمة محله القلب واللسان والجوارح.

أما تعظيم القلب: فهو ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، والتي من لوازمها الإكثار من ذكره الذي هو سبب لدوام محبته صلى الله عليه وسلم وزيادتها وتضاعفها.

وكذلك فإن من تعظيم القلب استشعاره لهيبة النبي صلى الله عليه وسلم وجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرا لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفا به ومذعنا له.

فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم مستقرا في القلب مسطورا فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتما لا محالة، وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لما له من الحق والتكريم.

أما تعظيم اللسان: فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير. ومن أعظم ذلك الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [263] وهذا من تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره. قال الحليمي:"معنى الصلاة على النبي علما تعظيمه، فمعنى قولنا:"اللهم صل على محمد"عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى {صَلُّوا عَلَيْهِ} أدعوا ربكم بالصلاة عليه" [264] .

فالصلاة منا عليه صلى الله عليه وسلم تتضمن ثناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله [265] وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا [266] وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الفصل الثالث من هذا الباب بإذن الله تعالى.

ومن تعظيم اللسان كذلك أن نتأدب عند ذكره بألسنتنا وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الرسالة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [267] فأمرسبحانه أن لا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال: يارسول الله يانبي الله ولا يقال يامحمد وقد كان الصحابة لا يخاطبونه إلا بـ"يارسول الله، يا نبي الله".

وإذا كان هذا في حياته فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ذكره من جنس ما يذكر به غيره، بل يجب أن يقرن ذكره بالنبوة أو الرسالة وأن يدعى له بأشرف دعاء وهو الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم [268] . فهذا من التعظيم الواجب له صلى الله عليه وسلم وفي الحديث"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" [269] .

وفي الحديث الآخر"البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ" [270] .

ومن تعظيم اللسان تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمر دعوته وسيرته وغزواته والتمدح بذلك شعرا ونثرا، بشرط أن يكون ذلك في حدود ما أمر به الشارع الكريم، مع الابتعاد عن مظاهر الغلو والإطراء المحظور.

وأما وتعظيم الجوارح له صلى الله عليه وسلم: فهو العمل بشريعته، والتأسي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرا وباطنا، والتمسك بها والحرص عليها، وتحكيم ما جاء به في الأمور كلها، والرضا بحكمه والتسليم له، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وتبليغ رسالته للناس ودعوتهم للإيمان به والذب عن سنته والدفاع عنها وتعلمها وتعليمها وخدمتها، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وجهاد من خالفه.

والاجتناب عما نهي عنه وزجر، والبعد عن معصيته ومخالفته والحذر من ذلك، والتوبة والاستغفار عما وقع فيه الزلل والتقصير.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة في حياة المسلمين، فقد أوجب علينا طاعته وحرم علينا معصيته وجعله الآمر الناهي والسيد المطاع الذي لا.يرد له أمر، ولا يخالف له رأي فمن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول، فليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [271] .

وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [272] .

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [273] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت