ومذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وسط بين الإفراط والتفريط فليسوا من المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى مالا يليق إلا بالله أو برسله. وليسوا من المفرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم فهم وسط بين الغلاة والجفاة.
ويحبونهم جميعا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف فلا يرفعونهم إلى مالا يستحقون، ولا يقصرون بهم عما يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم، وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين، بل هم بشر يصيبون ويخطون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان.
وكتب أهل السنة مليئة ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين [319] .
المطلب الرابع: حفظ حرمة المدينة النبوية
إن من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم المدينة النبوية [320] التي هي دار المصطفى ومهاجره، فقد اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قرارا، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا. وهي التي، انتشر منها دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى وصل مشارق الأرض ومغاربها.
وهي التي ورد في فضلها وتعظيم شأنها وتحريمها وفضل بعض البقاع فيها الكثير من الأحاديث الثابتة الصحيحة والتي أورد بعضا منها ههنا على سبيل المثال لا الحصر.
فعن سفيان بن أبي زهير [321] رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون [322] فيتحملون بأملهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون."
وتفتح الشام، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
وتفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" [323] ."
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم [324] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها تمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" [325] .
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها"وقال:"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة" [326] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطه ذلك الثمر" [327] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف" [328] .
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" [329] .
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" [330] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام" [331] . وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" [332] .
والأحاديث في فضل المدينة كثيرة ومتنوعة، ولقد أفرد البخاري في صحيحه كتابا لفضائل المدينة، وكذا مسلم في صحيحه قد أورد في آخر كتاب الحج العديد من الأحاديث الواردة في شأن المدينة، وكذا الحال عند أصحاب السنن والمسانيد.
والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم. فإنها من المواطن التي عمرت بالوحي والتنزيل، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتشر، فهي مشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات.