وليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء فأرشدنا الله- لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا- إلى الصلاة عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وإفضاله علينا إذ لا إحسان لمخلوق أفضل من إحسانه صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن المقصود بصلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم هو التقرب إلى الله تعالى بامتثال ما أمر به، وقضاء لحق من حقوق لصطفى صلى الله عليه وسلم التي أوجبها الله علينا فحق على هذه الأمة أن تعظم قدر نبيها وذلك بأن تكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم اتباعا لأمر ربها تبارك وتعالى وقياما بما لنبيها صلى الله عليه وسلم من الحق عليها. وقد اعتنى العلماء بهذه الخصيصة العظيمة فأفردوها بالتأليف وتناولوا في مؤلفاتهم تلك جوانب هذا الموضوع،، من أشهر تلك المؤلفات وأجمعها كتاب"جلاء الأفهام"في الصلاة والسلام على خير الأنام للعلامة ابن القيم، بل هو أشهرها وأحسنها.
ومن تلك المؤلفات كتاب القول البديل في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي [2] المتوفى سنة 902هـ وقد ختم كتابه هذا ببيان الكتب المصنفة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر جملة كبيرة من هذه الكتب مرتبة [3] .
المبحث الأول: معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المعنى اللغوي للفظة"الصلاة".
قال الخليل بن أحمد [4] :"الصلاة: ألفها واو لأن جماعتها الصلوات ولأن التثنية صلوان" [5] .
ومادة (ص. ل. و) وردت في اللغة لمعان منها:
1- (( الصلاة ) ):
وهو وسط الظهر لكل ذي أربع وللناس. وقيل: ما انحدر من الوركين [6] . قال الخليل بن أحمد:"والصلاه، وسط الظَّهْر لكل ذي أربع وللناس وكل أنثى إذا ولدت انفرج صلاها قال:"
كأن صلا جهيزة حين قامت حباب الماء يتبع الحبابا
وإذا أتى الفرس على أثر الفرس السابق قيل: صلى، وجاء مصليا لأن رأسه يتلو الصلا يين يديه" [7] ."
وقال الأزهري:"وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول مواصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص... وأما المصلى الذي يلي السابق فهو مأخوذ من الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنه يأتي ورأسه في ذلك المكان" [8] . وقد قيل إن اشتقاق الصلاة الشرعية هو من هذا.
قال الحليمي:"وقيل للصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصلا وهو وسط الظهر" [9] .
2-"الصلى"بالقصر وهي النار:
قال الخليل بن أحمد:"والصلا: النار، وصلى الكافر نارا فهو يصلاها أي قاسى حرها وشدتها، وصليت اللحم صليا: شويته، وإذا ألقيته في النار قلت: أصليته أصليه إصلاء، وصليته، تصلية" [10] .
وفي معجم مقاييس اللغة:"صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى... فقولهم: صليت العود بالنار، والصلى صلى النار. واصطليت بالنار. والصلاء: ما يصطلى به وما يذكى به النار ويوقد وقال:"
فجعل العود واليلنجوج والرذ*** صلاء لها على الكانون [11]
قال الفيروز أبادي [12] :
"وقيل اشتقاق لفظة الصلاة من الصلى بالقصر وهي النار من صليت العصا إذا قومتها بالنار فالمصلي كأنما يسعى لتعديل باطنه وظاهره كمن يحاول تقويم العود بالنار" [13] .
3-"الصلاة"الملازمة:
قال الأزهري:"قال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلى واصطلى إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار: أي يلزم النار فالصلاة لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه" [14] .
وقال الفيروز أبادي"وقيل الصلاة الملازمة، ومنه قوله {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [15] {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [16] ومنه سمي ثاني أفراس الحلبة مصليا" [17] .
4- (( الصلاة ) )الدعاء:
حاء في معجم مقاييس اللغة"صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى- وقد تقدم ذكره- والآخر جنس من العبادة..."
وأما الثاني: فالصلاة وهي الدعاء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" [18] أي فليدع لهم بالخير والبركة.
قال الأعشى [19] :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا*** يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي*** نوما فإن لجنب المرء مضطجعا [20]
وقال في صفة الخمر:
وقابلها الريح في دنها*** وصلى على دنها وارتسم [21] [22]
"أي دعا لها ألا تحمض وتفسد" [23] .
وأورد هذا المعنى أيضا الأزهري في تهذيب اللغة [24] .