فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 3657

وقال ابن القيم"وأصل هذه اللفظة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. فمن الأول قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [25] . وقوله تعالى في حق المنافقين: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [26] وقول النبي صلى الله عليه وسم:"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان صائما فليصل"فسر بهما. قيل: فليدع لهم بالبركة. وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء."

والدعاء نوعان: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [27] . قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [28] "."

ثم قال رحمه الله تعالى:"والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه [29] ، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} [30] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [31] ."

وقوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [32] والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي: شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [33] ، وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [34] .

وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء.

وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا.

فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء، والدعاء، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما، فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. انتهي [35] .

المطلب الثاني: المعني الشرعي لصلاة الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم

لما كانت الصلاة التي أمرت بها هذه الأمة على النبي صلى الله عليه وسلم تعني الطلب من الله ما أخبر به من صلاته عليه. إذ المصلي يقول:"اللهم صل على محمد ... الخ"فالأمر هنا يتطلب شرح معنى صلاة الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم قال ابن القيم:"وأما صلاة الله سبحانه فنوعان: عامة وخاصة."

فالنوع الأول: الصلاة العامة وهي صلاته على عباده المؤمنين:

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} [36]

ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله:"اللهم صل على آل أبي أوفى" [37] .

النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله وخصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم [38] .

واختلفت الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:

القول الأول: إنها رحمته.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى صلاة الرب الرحمة [39] وروى إسماعيل القاضي [40] بسنده عن الضحاك [41] قال:"صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء" [42] .

وقال المبرد [43] "أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة" [44] .

قال ابن القيم:"وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين" [45] .

القول الثاني: إن صلاة الله مغفرته.

فقد روى إسماعيل القاضي بسنده عن الضحاك:"هو الذي يصلي عليكم"قال:"صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء" [46] .

وأورد ابن حجر في الفتح: عن مقاتل بن حيان [47] قال:"صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار" [48]

قال ابن القيم:"وهذا القول هو من جنس الذي قبله" [49] .

القول الثالث: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وإظهار شرفه وفضله وحرمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت