لما كانت الصلاة التي أمرت بها هذه الأمة على النبي صلى الله عليه وسلم تعني الطلب من الله ما أخبر به من صلاته عليه. إذ المصلي يقول:"اللهم صل على محمد ... الخ"فالأمر هنا يتطلب شرح معنى صلاة الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم قال ابن القيم:"وأما صلاة الله سبحانه فنوعان: عامة وخاصة."
فالنوع الأول: الصلاة العامة وهي صلاته على عباده المؤمنين:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} [36]
ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله:"اللهم صل على آل أبي أوفى" [37] .
النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله وخصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم [38] .
واختلفت الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:
القول الأول: إنها رحمته.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى صلاة الرب الرحمة [39] وروى إسماعيل القاضي [40] بسنده عن الضحاك [41] قال:"صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء" [42] .
وقال المبرد [43] "أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة" [44] .
قال ابن القيم:"وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين" [45] .
القول الثاني: إن صلاة الله مغفرته.
فقد روى إسماعيل القاضي بسنده عن الضحاك:"هو الذي يصلي عليكم"قال:"صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء" [46] .
وأورد ابن حجر في الفتح: عن مقاتل بن حيان [47] قال:"صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار" [48]
قال ابن القيم:"وهذا القول هو من جنس الذي قبله" [49] .
القول الثالث: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظم محمدا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين والشهود [50] . قال أبو العالية [51] :"صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة" [52] . وعن الربيع بن أنس [53] قال:"صلاة الله عليه ثناؤه عند ملائكته" [54] وقال الخليل بن أحمد:"صلوات الله على أنبيائه والصالحين من خلقه: حسن ثنائة عليهم وحسن ذكره لهم" [55] .
وقال ابن القيم رحمه الله:"الصلاة المأمور بها في هذه الآية هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب وسمى هذا السؤال منا والدعاء صلاة عليه لوجهين:"
أحدهما: أنه يتضمن ئناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة كذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه. فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقرببه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به" [56] ."
وزاد الحافظ ابن حجر: أن صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة. فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم.
وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيري [57] قال:"الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة وتكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق يين النبي صلى الله عليه وسلم ويين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} وقال قبل ذلك في السورة المذكورة {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ماليس في غيرها" [58] .
وقد ضعف ابن القيم رحمه الله تفسير الصلاة بالرحمة والاستغفار وذكر في تضعيفهما عدة أوجه منها:
1-أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [59] فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما، وهذا أصل العطف، وأما قولهم:
***وألفى قولها كذبا ومينا***
فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب