فهرس الكتاب

الصفحة 1391 من 3657

2-أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول لا يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مه مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك، كثيرة.

3-أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، ولا تعرف العرب قط"صلى عليه"بمعنى"رحمه"فالواجب حمل اللفظ على معناه المتعارف في اللغة.

4-أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله أن يرحمه فيقول: اللهم ارحمني كما علم النبي صلى الله عليه وسلم الداعي أن يقول:"اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني"فلما حفظها قال أما هذا فقد ملأ يديه من الخير" [60] . ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول:"اللهم صل علي"بل الداعي بهذا يكون معتديا في دعائه والله لا يحب المعتدين، بخلاف سؤاله الرحمة فإن الله يححب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا."

5-أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [61] وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [62] وقوله {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [63] وقوله: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [64] وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الله أرحم بعباده من هذه بولدها" [65] . وقوله:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [66]

فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم.

6-أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال:"اللهم ارحم محمدا وآل محمد"وليس الأمر كذلك [67] . وزاد السخاوي:

7-أن الصحابة فهموا المغايرة بين الصلاة والرحمة، فلذلك سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام [68] .

وأولى الأقوال بالصواب ما تقدم عن أبي العالية"أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه".

فهي من الله إكرام وتعظيم ومحبة وثناء لنبيه صلى الله عليه وسلم.

فصلاتنا عليه: إنما هي ثناء عليه صلى الله عليه وسلم وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا.

المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكيفيتها ومواطنها وفضلها

المطلب الأول: الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

1-من القرآن:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [69] .

وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب [70] والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها [71] .

وهي مدنية النزول وقد جاءت بعد جملة من الآيات في سورة الأحزاب ذكر الله فيها عددا من حقوق نبيه صلى الله عليه وسلم وما خصه به دون أمته، من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة من بعده، ومن سائر ما ذكر بعد ذلك من حقوقه وتعظيمه وتبجيله.

ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن.

ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه [72]

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا" [73] .

"فهذه الآية شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته" [74] (وفيها تنبيه على كمال الرسول صلى الله عليه وسلم ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره، فقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ} أي يثني الله عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى، ويثني عليه الملائكة المقربون ويدعون له ويتضرعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت