قال ابن عباس رضي الله عنهما:"رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر، لأن ذكره صلى الله عليه وسلم مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعا بل هو ركنها الأعظم، وقد روى أبو داود، وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل خطة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" [132] واليد الجذماء: المقطوعة، فمن أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطة دون التشهد فقوله في غاية الضعف."
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده عن قتادة {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله [133] .
وعن الضحاك {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال إذا ذكرت ذكرت معي ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك [134] معي.
وعن مجاهد {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله [135] .
فهذا هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عون بن أبي جحيفة [136] قال: كان أبي [137] من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد المنبر- يعني عليا- رضي الله عنه فحمد الله وأثني عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال يجعل الله الخير حيث شاء [138] .
قال ابن القيم:"وقد كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطب أمرا مشهورا معروفا عند الصحابة رضي الله عنهم أجمعين."
أما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله [139] .
الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة
لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي" [140] .
الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: عند الدعاء:
والدليل على ذلك حديث فضالة بن عبيد [141] رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاة لم يحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجل هذا"ثم دعاه، فقال له أو لغيره:"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء" [142] .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عند قال:"إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم" [143] .
الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: عند دخول المسجد وعند الخروج منه
لما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله لمج!ا قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" [144] .
وعن فاطمة بنت الحسين [145] عن جدتها فاطمة الكبرى [146] قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال:"رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال:"رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" [147] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية"والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه صلى الله عليه وسلم وعن غير واحد من الصحابة والتابعين" [148] .
وقال القاضي عياض:"ومن مواطن الصلاة والسلام عند دخول المسجد"وذكرا عددا من الآثار عن بعض الأئمة [149] .
الموطن التاسع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: على الصفا والمروة
لما روى إسماعيل بن إسحاق القاضي بسنده عن نافع [150] أن عمر رضي الله عنه كان يكبر على الصفا ثلاثا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدر، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو ويطل القيام والدعاء، ثم يفعل على المروة نحو ذلك [151] .