وهو مستحب في قنوت رمضان فعن عروة بن الزبير [112] أن عبد الرحمن بن عبد القاري [113] وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم [114] على بيت المال، قال: إن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القارى فطاف في المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه، والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل، ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر رضي الله عنه نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، وقال: كانوا يلعنون الكفرة في النصف يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: فكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفار، وصلاته على
النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره للمؤمنين، ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد [115] ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك إن عذابك الجد لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجدا [116] .
وروى إسماعيل بن إسحاق بسنده عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث [117] أن أبا حليمة- معاذا- [118] كان يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت [119] [120] .
الموطن الرابع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية:
لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها. فقال الشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة، لا تصح إلا بها، ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة: تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي بسنده عن الزهري، قال أخبرني أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه [121] . وروى إسماعيل بن إسحاق في كتاب"الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم"بسنده عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف [122] يحدث سعيد بن المسيب [123] قال: إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ئم يسلم في نفسه [124]
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب"المغني" [125] يروى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.
وفي الموطأ برواية يحى بن يحى الليثي [126] حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري [127] عن أبيه [128] أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى، وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أقول:"اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" [129] .
إذا تقرر هذا فالمستحب أن يصلى عليه صلى الله عليه وسلم في الجنازة كما يصلى عليه في التشهد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي مسائل"عبد الله بن أحمد"عن أبيه قال: يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلى على الملائكة المقربين.
قال القاضي: يقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، إنك على كل شيء قدير [130] .
الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين، والاستسقاء، وغيرها:
وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطة
قال الشافعي وأحمد في المشمهور من مذهبهما: لا تصح الخطة إلا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطة بقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ صَدْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [131]