فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 3657

وهي القصة التي ذكرها الله في سورة (يس) ، ولنقرأ هذه الآيات: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (12) [سورة يس، الآيات: 13-18] . قرية واحدة، وهي قرية أنطاكية كما ذكر المفسرون، يرسل إليها رسولان، وعندما لم يؤمن بهما أهل هذه القرية، يرسل الله ثالثا، ومع ذلك فيبقى هؤلاء على إصرارهم وكفرهم، وما زادهم إرسال الرسول الثالث إلا عتوا ونفورا، بل هددوا برجم هؤلاء الرسل وقتلهم: (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (13) [سورة يس، الآية: 18] .

(1) - سورة الإسراء آية: 3.

(2) - سورة الصافات آية: 79.

(3) - سورة آل عمران آية: 33.

(4) - سورة نوح آية: 27.

(5) - سورة الإسراء آية: 3.

(6) - انظر تفسير الطبري 15/19.

(7) - انظر تفسير الطبري 8/215.

(8) - سورة مريم آية: 58.

(9) - سورة نوح آية: 27.

(10) - أخرجه مسلم (1763) .

(11) - أخرجه البخاري (3641) ، ومسلم (1037) .

(12) - سورة يس آية: 13-14-15-16-17-18.

(13) - سورة يس آية: 18.

وهل انتهت القصة عند هذا الحد، بل جاءهم رجل رابع، وهو من بني جلدتهم وناصح لهم، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (1) [سورة يس، الآية: 20] . ويستمر في حواره معهم ودعوتهم، وهذه المرة لم يهددوه، كما هددوا من قبله بل قتلوه عندما خالفهم، وهذا شأن الطغاة فإنهم لا يتحملون أن يخالفهم أحد من بني قومهم أو حاشيتهم.

وهكذا ثلاثة رسل وداعية من أهل هذه القرية لقرية واحدة، ومع ذلك لم يستجيبوا للدعاة، ولم يكتفوا بعدم الاستجابة، بل هددوا الرسل -وقيل قتلوهم- وقتلوا الداعية الرابع.

إن مقاييس الأرض تظهر أن هؤلاء الرسل لم ينتصروا ولم يحققوا أهدافهم، وأن هذا الداعية استعجل في الكشف عن هويته وإيمانه، ولذلك لقي جزاءه؟ هكذا يقوم الحدث في نظر من لم يفهم حقيقة الانتصار، ولا معنى الهزيمة.

أما منطق الحق، ومنهج النبوة، فيعلن أن هؤلاء قد نصروا نصرا مؤزرا، وأن أصحاب القرية هم الخاسرون، ويتمثل النصر في الحقائق التالية:

1-أن هؤلاء الرسل قد بلغوا رسالة الله، ولم يستسلموا لشبه أهل القرية أولا، وتهديدهم ثانيا، وهذه هي مهمتهم: (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (2) [سورة يس، الآية: 17] . ومن أدى ما عليه فقد انتصر وفاز ونجح.

2-إيمان رجل من أهل القرية بهم، وتأييده لهم علانية، يعد نصرا وانتصارا له ولهم، ولذلك كان رد أهل القرية عنيفا تجاهه، لأنهم شعروا بخذلانه لهم، وخذلانهم نصر لأولئك الرسل.

3-أن قتل هذا الداعية نصر له ولمنهجه (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (3) [سورة التوبة: 52] . ولذلك، (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) (4) [سورة يس، الآية: 26] . فتمنى أن يعلن عن فوزه وانتصاره، (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (5) [سورة يس، الآيتان: 26، 27] .

4-وتتويجا لانتصارات هؤلاء الرسل وهذا الداعية، جاءت النهاية المحققة: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (6) [سورة يس، الآيتان: 28، 29] .

إن الدعاة في أمس الحاجة إلى أن يقفوا مع قصة أصحاب القرية، ويتدبروا أبعادها ونهاياتها.

ثلاثة رسل، وداعية مخلص صادق لقرية واحدة، ومع ذلك فلم يؤمنوا، وعدم إيمانهم لم يفت في عضد هؤلاء الرسل، ولم يمنع هذا الداعية من قول كلمة الحق، دون استعجال أو تنازل أو يأس.

بل إن هذا الداعية، كما ورد عند الطبري، كان يقول أثناء قتل قومه له:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، بل إننا نلمس من قوله (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (7) أنه لا يقول هذا تشفيا ولا من أجل إغاظتهم، ولكن من أجل هدايتهم، لأنهم إذا علموا أنه كان على الحق وقد قالوا للرسل: (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (8) [سورة يس، الآية: 15] . كان أرجى لهدايتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت