وما أحسن أن يستشهد المرء هنا بقول الإمام مالك رحمه الله تعالى"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [77] فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا" [78] .
وقال أيضا:"قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتبع الرأي" [79] .
هذا وإن أصل الاحتفال بالمولد يرجع إلى العبيدين [80] الذين يتسمون (بالفاطميين) فهم أول من أحدث هذه البدعة في الأمة وما كانت الموالد تعرف في دولة سلام قبل هؤلاء.
فقد جاء في كتاب الخطط المسمى كتاب المواعظ والاعتبار والآثار تحت عنوان (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم ...) .
قال:"كان للخلفاء في طول السنة أعيادًا ومواسم:"
رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم" [81] ."
فكانت الموالد من الآثار التي خلفها هؤلاء العبيديون الباطنيون مع غيرها من البدع والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قد حمل راية هذه البدعة من بعدهم المتصوفة، الذين وجدوا في إحياء هذه البدعة متنفسًا لنشر باطلهم وبدعهم، وما الطقوس التي تعمل أثناء إقامة المولد إلا أكبر شاهد على حمل الصوفية لراية هذه البدعة
فقد وجدوا في هذه البدعة مرتعًا خصبًا لنشر غلوهم ورقصهم وطقوسهم وشطحهم وذلك تحت ستار ما يدعونه من محبة النبي صلى الله عليه وسلم {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [82] .
وقد كان أول تأكد رسمي ناله المتصوفة لإحياء هذه البدعة على يد الملك المظفر ملك إربل، الذي كان يحتفل بالمولد احتفالا هائلًا ينفق فيه ثلاثمائة ألف دينار، ويعمل فيه للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم [83] .
وفد استمرت هذه الاحتفالات بهذه البدعة إلى زماننا هذا وحسبك ببدعة أنشأها ملاحدة باطنيون معروفون بالبدع والمنكرات، وتولاها من بعدهم متصوفة ضالون مضلون لم يتركوا شيئا من باطلهم وبدعهم إلا وأدخلوه فيما يسمى بالمولد النبوي.
ولا عجب في اتفاق الطائفتين على هذا الأمر فهم يجمعهم مشرب واحد إذ الكل يزعم أن الشريعة لها ظاهر وباطن.
فمما لا شك فيه أن فعل ما يسمى بالمولد بدعة من البدع التي لا أساس لها في القرآن ولا في السنة ولا في عمل السلف الصالح وهي بالإضافة إلى ذلك لا تحقق المراد من حب الرسول صلى الله عليه وسلم فتحقيق محبته وتعظيمه كما سبق وأن بينا، هو في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد في ذلك بالقلب واليد واللسان، فهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
ويضاف إلى كون فعل هذا الأمر من البدع التي نهى الشارع عنها ما فيه كذلك من مضاهاة ومشابهة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام فإن النصارى تحتفل بيوم مولد عيسى ويتخذونه عيدا وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل الموبقات من شرب للخمور وفعل الفواحش وغير ذلك من المهازل والقبائح، وفي هذا يقول بعضهم معللا مشروعية الاحتفال بفعل المولد"إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر" [84] .
ونسى هذا القائل أو تناسى تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة اليهود والنصارى فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم" [85] .
قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟
قال:"فمن" [86] أي فمن هم غير أولئك.
المطلب الثاني: بيان ما يفعل في الموالد من الغلو والمنكرات
لقد اتخذ أصحاب الطرق الصوفية من المولد ستارا لترويج باطلهم ونشر بدعتهم عند الجهلة من عوام الناس.
فهم باسم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يقيمون مثل هذه الاحتفلات، وبذكر شيء من سيرته يفتتحونها، ولكن سرعان ما يظهر الباطل وتنجلي الغشاوة فيرى صاحب البصيرة ألوانًا وأشكالًا من الغلو والبدع المنكرة تظهر من خلال ما يتلفظ به من أقوال، وما ينشد فيه من أشعار، وما يقام من حركات وأفعال، مبدية بذلك الوجه الحقيقي والهدف الرئيسي من إقامة مثل هذه الموالد.
ومن عجيب حال هؤلاء أنهم سموا كل اجتماعاتهم التي تقام فيها هذه الأباطيل مولدا مع أن التسمية لا تساعدهم على هذا الإطلاق، وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن رواج باطلهم لا يتحقق إلا تحت هدا الستار ليروج أمرهم على خفافيش الأبصار إتباع كل ناعق.