فمن البدع والمنكرات التي تقام في هذه الموالد -وما أكثرها- ما يحصل من الغلو في حق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال القصائد التي يطلقون عليها اسم المدائح النبوية، والتي لا تخلوا من ألفاظ الغلو في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم والتجاوز عما حدده الشارع مما يليق بمقامه الكريم من الإجلال والتقدير.
فالمتأمل لتلك القصائد يجدها مرصوفة بعبارات التوسل والاستشفاع والاستغاثة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هو المتصرف في هذا الكون وجعله أول الموجودات والقطب الذي تدور عليه الأفلاك، وجعله الغاية التي من أجلها هذا الكون إلى غير ذلك الافتراءات والأباطيل التي شحنت بها تلك القصائد.
وهذه مقتطفات من بردة البوصيري [87] تمثل جانبا من مظاهر الغلو التي يتردد في عبارات ما يسمونه بالمدائح النبوية:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا إلى العدم
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الديم
لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتئم
أقسمت بالقمر المنشق أن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
ما سامني الدهر ضيما واستجرت به ... إلا ونلت جوارا منه لم يضم
ولا التمست غني الدارين من يده ... إلا استلمت الندى من خير مستلم
يا خير من يمم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الأينق الرسم
خدمته بمديح استقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم
إن آت ذنبا فما عهدي بمنتقض ... من النبي ولا حبلى بمنصرم
فإن لي ذمة منه بتسميتى ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذم
إن لم تكن في معادى آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه ... وجدته لخلاصي خير ملتزم
ولن يفوت الغني منه يدا تربت ... إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم [88] .
فتأمل هذه الأبيات وما فيها من غلو وإطراء ومظاهر شركية تجاوز فيها الشاعر كل الحدود.
حيث جعل الرسول عليه الصلاة والسلام هو الغاية في خلق الدنيا وعلة وجودها"وجعله بمنزلة الإله فهو يغني ويفقر ويغفر الذنوب ويقيل العثرات وهو الملاذ والملجأ في الدنيا والآخر بل انتهى به الأمر إلى أن جعل تصريف الكون كله بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم" [89] .
فماذا أبقى للخالق عز وجل وخاصة عند قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
"فإذا كانت الدنيا وضرتها من جود الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعض علومه علم اللوح والقلم، لأن"من"للتبغيض، فماذا للخالق جل وعلا" [90] .
فهذا هو بعينه الغلو والإطراء الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منه.
وبالإضافة إلى ألفاظ الشرك وعبارات الغلو التي تحملها جل القصائد والمدائح"فإن الاحتفال عادة ما يختم بدعوات تحمل ألفاظ التوسلات المنكرة والكلمات الشركية المحرمة، لأن جل الحاضرين عوام أو غلاة في حب التوسلات الباطلة التي نهى عنها الشارع" [91] .
أضف إلى ذلك ما يدعونه من أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر هذه الموالد إما بجسده كما يدعيه بعضهم أو بروحه كما يدعيه البعض الآخر منهم، وسوف أتعرض لهذه النقطة في المبحث القادم بإذن الله.
هذا فيما يتعلق بما يحصل في هذه الموالد من غلو في حق صلى الله عليه وسلم.
ويضاف إلى هذا الأمر ما قد يحصل في بعض الموالد من منكرات وبدع أخرى كالرقص الصوفي، والذكر البدعي، وضرب الدفوف، والتزمير بالمزامير [92] .
وقد يحصل فيها اختلاط الرجال بالنساء وشيء من الفجور وشرب الخمور ولكن لا يطرد لا في كل البلاد ولا في كل الموالد [93] .
فنعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.
المبحث السادس: حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة
إن من يتأمل في كلام الصوفية فيما يتعلق بشأن غلوهم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك التوسل والاستشفاع والاستغاثة وطلب تفريج الكروب ومغفرة الذنوب وغير ذلك مما تقدم الإشارة إليه يجد أن محور دعواهم يقوم على دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه [94] وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي، كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما في ببت الملائكة -مع كونهم أحياء بأجسادهم- فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك [95] .