فهرس الكتاب

الصفحة 1424 من 3657

والصوفية ليسوا على رأي واحد في هذا ا الأمر بل هم مختلفون مضطربون وفي حالهم هذا يتذكر المرء قول الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [96] .

فهم مختلفون في حقيقة المرئي:

فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه كما تقدم في النقل السابق.

وبعضهم يقول ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له، وصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه.

وقالوا: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه في الشكل ليس هو روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق.

وفصل بعضهم فقال: رؤية [97] النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال [98] .

وقال بعضهم: ومنهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة.

ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته صلى الله عليه وسلم [99] .

وأعجب من ذلك كله ما ذكر عن بعضهم من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه الصلاة والسلام في زمن واحد في أقطار متباعدة ينحل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد

كالشمس في كبد السماء وضؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا [100]

فانظر إلى هذا الغلو عندهم، نعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.

ويحسن قبل الشروع في تفنيد هذا الباطل وكان فساده أن أشير إلى الوجه الآخر لهذه الدعوى.

فهذه الطائفة لم تكن لتدعى هذه الدعوى إلا لما فيها من المكاسب والأهداف والغايات التي يتحصلون عليها كل من وراء ذلك.

فمنهم من يستغل هذه الدعوى ليحصل على إجازة من الرسول صلى الله عليه وسلم للطريقة التي ابتدعها والأذكار والأوراد التي اخترعها لتصبح بعد ذلك شرعا لأتباعه.

ومنهم من يستغل ذلك لإيهام الناس بأن ذلك من كراماته ليحظى لديهم بالمنزلة والمكانة إلى غير ذلك من الغايات والمأرب.

هذا وإن لموضوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم جوانب متعددة بخصنا منها ما يتعلق بعنوان المبحث وهو دعوى رؤيته يقظة بعيني الرأس.

فهذه الدعوى مخالفة للشرع والعقل.

أما من جهة الشرع فليس هناك دليل شرعي يثبت حصول ذلك وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، فحملها أهل الباطل على الرؤية البصرية، ومما يؤكد فساد هذا التأويل للرؤيا واقع القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية من المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلم ينقل عن أحد من أهل هذه القرون الثلاثة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة بعد موته.

مع أنه قد حدثت في أزمانهم حوادث كان الحاجة إلى ظهوره شديدة جدا لو كان ذلك ممكنا.

فالصحابة قد وقع بينهم اختلاف في عدد من المسائل الدينية والدنيوية وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يبلغنا أنا أحدا منهم ادعى أنه رأى في اليقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره.

"وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته."

فقال له ابن عبد البر: ويحك هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه؟

وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابه؟ [101] .

وأما من جهة العقل فلما يترتب على هذه الدعوى من اللوازم الباطلة فليزم منها:

1-أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيكون من يزوره في ذلك الوقت يزور مجرد القبر ويسلم على الغائب.

2-أن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه.

3-أن يكون الشخص الذي رأه يقظة له حكم الصحابة رضوان الله عليهم.

4-أن يكون الكلام الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم تشريعًا جديدًا لهذه الأمة وهذا لاشك فيه، طعن في كمال هذا الدين وكونه عرضة للتبديل والتغيير.

وهذه الجهالات لا يلتزم بها من كان له أدنى مسكة عقل.

ومن ظن أن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه.

فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. فكيف يتصور هذا في شخص واحد؟" [102] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت