فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 3657

وفي رواية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج علينا النبي، صلى الله عليه وسلم يوما فقال:"عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد..." (7) الحديث.

وفي رواية لمسلم، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم"عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم..." (8) (9) الحديث.

وقد ورد الحديث بروايات أخرى في معنى هذه الروايات.

وتبرز صلة هذا الحديث في موضوعنا من خلال ما يلي:

1-ورد في الحديث، أن الرسول، صلى الله عليه وسلم نظر إلى سواد كثير، وفي رواية: سواد عظيم، ثم رأى سوادا كثيرا -آخر- سد الأفق.

(1) - سورة آل عمران آية: 169.

(2) - سورة البروج آية: 10.

(3) - تفسير ابن كثير4/496.

(4) - سورة البروج آية: 11.

(5) - سورة البروج آية: 11.

(6) - أخرجه البخاري (6541) .

(7) - أخرجه البخاري (5752) .

(8) - الرهيط: قال النووي هم بضم الراء تصغير الرهط. وهي الجماعة دون العشرة. مسلم بشرح النووي 3/53.

(9) - أخرجه مسلم (220) .

والسواد الأول هم ممن آمن بموسى، عليه السلام، والسواد الآخر هم أمة محمد، صلى الله عليه وسلم وهذا يمثل نوعا من أنواع الانتصار الظاهر، حيث انتشر الدين وآمن الناس، حتى بلغوا هذا المبلغ، وهو النوع الأول من أنواع الانتصار التي أشرت إليها سابقا، ومثل ذلك النبي الذين يمر ومعه الأمة.

2-ورد في الحديث، أن النبي يمر معه العشرة، والنبي ومعه الخمسة، والنبي يمر وحده، وفي رواية: فجعل النبي يمر معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد.

ونحن لا نشك في انتصار الأنبياء والرسل كما أخبرنا الله -جل وعلا- بذلك فقال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (1) [سورة غافر، الآية: 51] . وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها.

وها نحن نجد النبي يأتي يوم القيامة، ومعه العشرة، والآخر معه الخمسة، وثالث ومعه الرجلان، ورابع ومعه رجل واحد، والخامس وليس معه أحد.

والأمر الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن النبي الذي معه العشرة والخمسة والرهيط قد لا يكونون قد آمنوا به واتبعوه في حياته، بل قد يكون بعضهم بعد وفاته، لأن الذين رآهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم من أمته ليسوا الذين آمنوا به في حياته صلى الله عليه وسلم فقط، بل منهم من آمن به في حياته، ومنهم من آمن به بعد وفاته إلى قيام الساعة، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره من الأنبياء بأنه خاتمهم وآخرهم.

وبهذا نفهم أن الانتصار ليس بكثرة الأتباع فحسب، وقبول الناس واستجابتهم، هذا نوع من أنواع الانتصار كما سبق، وبخاصة إذا كان الأتباع على المنهج الحق، وإلا فلا عبرة بالكثرة والقلة.

والمعادلة التي نخرج منها، والحقيقة التي نظفر بها، أن النبي -كل نبي- لا شك في انتصاره في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وها نحن نجد عددا من الأنبياء ليس معهم إلا أفرادا، بل بعضهم ليس معه أحد.

فالنتيجة أن هناك أنواعًا أخرى من الانتصار، أشمل مما قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، وبعض الدعاة. إن إدراكنا لهذه الحقيقة وتعاملنا معها هو نوع من الانتصار الذي نبحث عنه بل هو أول الخطوات لتحقيق الانتصار.

2-الحديث الثاني

عن خباب بن الأَرَتْ ( قال:"شكونا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: إلا تستنصر لنا، أو تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يبعده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله -تعالى- هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(2) .

ولنقف هذه الوقفات:

1-خبّاب ( جاء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء بالنصر - هكذا أطلق خباب، وهو يريد النصر الظاهر، برفع العذاب والأذى الذي كانت قريش تصبه على رسول الله، صلى الله عليه وسلم وصحابته.

فنقله رسول الله، صلى الله عليه وسلم نقلة أخرى مبينا له معنى آخر من معاني الانتصار، وهو الثبات على دين الله، وتحمل المشاق والعقبات، حتى لو ذهبت روح المسلم فداء لدينه وعقيدته.

2-ثم يذكر له رسول الله، صلى الله عليه وسلم النصر الظاهر وأنه متحقق، ويقسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولكنه لا يتحقق إلا بعد الثبات والصبر.

3-ونجد أن ما ذكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأقسم على حصوله وهو إتمام هذا الدين -وهو نوع من الانتصار- قد لا يتحقق في حياة الداعية، فمسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت حدث بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت