فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 3657

فعلى الداعية أن يعي هذا الأمر، وأن انتصار الدين لا يتعلق بشخصه.

4-"ولكنكم تستعجلون"صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم إن حرص كثير من الدعاة على انتصار هذا الدين قد يؤدي بهم إلى ارتكاب ما يعوقه، وهو الاستعجال، إنهم يريدون أن يروا النتائج في حياتهم، بل في أول حياتهم -أحيانا- وهذا لم يتحقق لكثير من الأنبياء والرسل.

ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النصر يحتاج إلى الصبر والثبات والتفاؤل مع عدم العجلة.

ويعلمنا أن النصر أشمل مما قد يتبادر إلى أذهاننا.

فليس النصر مقصورا على النصر الظاهر، والنصر الظاهر لا يلزم أن يتحقق في حياة الداعية.

3-الحديث الثالث

عن أبي هريرة ( قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم

أن الله عز وجل قال:"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" (3) . الحديث.

(1) - سورة غافر آية: 51.

(2) - أخرجه البخاري (3612) .

(3) - أخرجه البخاري (6502) .

والشاهد من هذا الحديث القدسي، أن المؤمن إذا أيقن أن الله معه، ويجب أن يوقن بذلك، ومن كان وليا لله فإن الله معه، وإذا الله كان معه، يعلن الحرب على من آذاه أو عاداه، فيستلزم ذلك أن يؤمن إيمانا لا شك فيه أن الله سينصره، لأن المعركة لم تعد بين الداعية وعدوه، وإنما هي حرب من الله على هذا المعادي، وبدهي أن نعلم من المنتصر ومن الخاسر؟ !!.

ومادام الأمر كذلك، فإن الله -جل وعلا- هو الذي يقدر نوع الانتصار وزمانه ومكانه، ولا يخضع هذا لرؤيتنا القاصرة، أو رغباتنا المحدودة، أو اجتهاداتنا البشرية.

وما علينا إلا أن نعلم يقينًا أن المعركة محسومة من أولها، معروفة نتائجها قبل بدايتها، وأن نتعامل بإيجاب مع هذا اليقين، فلا نستعجل ولا نيأس، ولا نتصرف تصرفا قد يكون سببا لحرماننا من النصر الذي لا شك فيه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (1) [سورة الروم، الآية: 47] .

4-الحديث الرابع

عن عثمان بن عفان ( قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول:"صبرا، آل ياسر فإن موعدكم الجنة"(2) .

إن الصبر نوع من أعظم أنواع الانتصار، فبالصبر يسمو الإنسان على رغباته ويعلو على متع الحياة الدنيا.

والصبر سمة الرجال الأخيار (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (3) .

إنه بالصبر ينتصر على نفسه أولا، وينتصر على عدوه، ثانيا، وينصر مبدأه ثالثا. إننا عندما نذكر انتصار الإسلام في مراحله الأولى نتذكر آل ياسر: ياسر وسمية وعمار.

إن هذا البيت بصبره وجهاده، وتقديم حياته فداء لهذا الدين، ممن وضع اللبنات الأولى لعزة هذا الدين وظهوره.

لقد انتصروا على ذواتهم أولا، وعلى المشركين ثانيا، ونصروا الإسلام ثالثا.

ثم لهم الجنة بعد ذلك، (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (4) [سورة آل عمران، الآية: 185] . (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (5) [سورة البروج الآية: 11] .

وأجد أنّ قصة الصحابي الجليل عمير بن الحمام في بدر قصة تسجل انتصارًا باهرًا للداعية، فالوقوف عندها واستخلاص ما فيها من دورس وعبر يعطي دلالة على ما نحن بصدده.

سورة العصر و حقيقة النصر:

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:"لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم". (6) .

فما علاقة هذه السورة بحقيقة الانتصار؟

إن هذه السورة ترسم منهج النصر بصورة واضحة جلية، وتصحح الفهم الخاطئ بحصر قضية الانتصار بصورة واحدة أو نوع منفرد.

كيف ذلك؟

يقسم الله - سبحانه وتعالى- أن كل إنسان في خسر، أي خسارة وهلاك وبوار، إلا من استثنى بعد ذلك.

والمستثنى من الخاسرين، هو الفائز والرابح والمنتصر.

فلننظر في شروط الانتصار

1-الإيمان، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) (7) .

2-عمل الصالحات، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (8) .

3-التواصي بالحق، (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) (9) .

4-التواصي بالصبر، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (10) .

هذه شروط النصر، فمن استكملها فقد خرج من الخسران ونجا، وبالتالي فقد انتصر وفاز وأفلح.

وهنا -بعد تقرير هذه القضية- نأتي للدلالة على فهم حقيقة الانتصار في هذه السورة.

فالله -سبحانه وتعالى- لم يذكر من شروط الانتصار تحقق النتائج، واهتداء الناس واستجابتهم.

إذن النصر ليس محصورا في تلك السورة فقط، والله -سبحانه- حكم بانتصار المسلم ونجاته من الخسران إذا استكمل الشروط الأربعة، وليس منها أن يستجيب الناس له، أو أن تتحقق الأهداف التي يسعى إليها، فهذا الأمر ليس له، وليس من لوازم النصر، وهذا رحمة من الله وفضل (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (11) [سورة البقرة، الآية: 105] .

بل قد استوقفني في هذه السورة أمران مهمان، لهما علاقة في رسم منهج الانتصار، وهما:

1-التواصي بالحق، لأن الإنسان قد يضعف أو يزل أو ينحرف، فيحتاج إلى من يوصيه بالمنهج، محافظة عليه وصيانة له، فكم من إنسان يتصور أنه على الحق، وهو قد حاد عنه، واتبع السبل من حيث لا يدري، ومع ذلك يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت