(3) - سورة المنافقون آية: 4.
ولذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم لعمر في نهاية المطاف لما تكشفت حقيقة هؤلاء عند كثير من المسلمين:"كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم تقتله لقتلته قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري"
فهذا الحديث يصور معنى هذا السبب الذي ذكرته أدقّ تصوير وبيان.
والدخول في معركة مع قوم لم تنكشف حقيقة أمرهم تماما، له آثاره السلبية على الأمة المسلمة، إذ أن بعض المسلمين سيقف في صف أولئك، كما وقف بعض الصحابة مع المنافقين.
كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة في قصة الإفك وجاء فيه:
"فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري ( فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك، ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين."
فثار الحيان، الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول الله، صلى الله عليه وسلم...""الحديث (1) .
وقد لا يقف بعض المسلمين مع هؤلاء، ولكن سيكون وقوفهم مع الدعاة ضعيفا ومترددا، لأنهم لم يتيقنوا أن هؤلاء على الباطل، مما يؤثر على المعركة التي يخوضها المسلمون ضد أعدائهم، وقد يؤدي إلى فرقة المسلمين وتأخر النصر.
8-ومن أسباب تأخر النصر، أن البيئة المحَارَبَة قد تكون غير صالحة بعد لاستقبال الحق والخير والعدل، مما يقتضي أمورًا تهيئها لذلك قبل الدخول معها في معركة، ومن ذلك بذل جميع الوسائل الشرعية لبيان أن هؤلاء القوم -المحاربين- على الباطل، ومحاولة إقناعهم ودعوتهم وبيان حقيقة الإسلام، وفساد ما هم عليه من باطل.
فإن هذا الأمر إن لم يكن سببًا في هدايتهم قبل المعركة فإنه وسيلة لمعرفة الحق، ومن ثم القبول به بعد المعركة، ولذا فإن الدعوة إلى الإسلام تسبق الدخول في المعركة.
9-ومن أسباب عدم الاستجابة لدين الله (2) أن عوامل النصر قد تتوافر بالنسبة للداعية، لكن هناك موانع تتعلق بالمدعوين - كالأمر السابق- ومن ذلك عدم تقدير الله هداية هؤلاء القوم، حيث كتب عليهم الضلالة، قال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (3) [سورة الرعد، الآية: 31] . وقال: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) (4) [سورة النحل، الآية: 36] . وقال -جل وعلا-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) (5) [سورة المائدة، الآية: 41] . إلى غير ذلك من الآيات (6) .
التنازل من أجل الانتصار
مما لفت نظري في واقع كثير من الدعاة والجماعات الإسلامية المعاصرة أنها قد تستبطئ النصر، وحرصا منها على دين الله، وتأثرا بكثرة الانتقادات التي توجه لها، لماذا لم تحقق أهدافها بالرغم مما تبذله من جهود، وما مضى من زمن، فإنها من أجل ذلك كله ولغيره من الأسباب قد تقدم بعض التنازلات للحصول على بعض المكاسب للدعوة.
وقد تنوعت صور هذه التنازلات وتعددت، وهم بين مقل ومكثر.
ولأن من أبرز أسباب هذا الأمر -كما ذكرت- هو الحرص لتحقيق الانتصار لدين الله، أو للدعاة وللجماعات (7) ولارتباطه الوثيق في موضوعنا، حيث أشرت إلى ذلك في أول هذا البحث.
فإنني سأقف وقفة مناسبة مع هذه القضية وسأحاول بيانها بإيجاز، نظرا لأن هذا الأمر يستحق بحثا مستقلا مفصلا، ولا أستطيع أن أقوم بذلك من خلال هذا البحث، ولعل الله أن يقيض له من يجليه.
(1) - أخرجه البخاري (4141) ومسلم (2770) .
(2) - واستجابة الناس انتصار لدين الله، حتى لو لم يكن هناك معركة وقتال"إذا جاء نصر الله والفتح".
(3) - سورة الرعد آية: 31.
(4) - سورة النحل آية: 36.
(5) - سورة المائدة آية: 41.
(6) - وانظر تفسير الطبري 30/331 تفسير سورة الكافرون لتجد كلاما جيدا.
(7) - وانتصار الداعية انتصار لدين الله، كما أن انتصار الدين نصر للداعية.