فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 3657

وقد ذهبت أتأمل ما ورد في ذلك في كتاب الله -في ضوء منهجي في هذه الرسالة- فوقفت أمام ثلاث قضايا وردت في القرآن الكريم، عالجها القرآن، ورسم لنا من خلالها منهجا نسير عليه دون زلل أو خلل.

وسأذكر كل قضية، وأسلوب معالجتها، ثم أذكر في النهاية خلاصة ما توصلت إليه حول هذا الأمر، وأسأل الله التوفيق والسداد.

القضية الأولى: سبب نزول سورة الكافرون:

قال الإمام الطبري: حدثني محمد بن موسى الخرشي قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرمة عن ابن عباس،"أن قريشا وعدوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: ما هي، قالوا: تعبد آلهتنا سنة، اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"السورة، وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) إلى قوله: (فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) " (1) [سورة الزمر، الآية: 64، 65، 66] .

وقال الطبري: أيضا -حدثني يعقوب، قال حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن ميناء مولى البختري، قال:"لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خير مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) " [سورة الكافرون، الآية: 1] . حتى انقضت السورة (2) .

إننا نجد في هذه الأسباب أن قريشا طلبت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم أن يتنازل لها، وتتنازل له حتى يلتقيا حول نقطة واحدة.

وقد يقول قائل: لو أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم وافقهم على ذلك، وطلب منهم أن يبدأوا بعبادة الله أولا، فإنهم إذا عرفوا الإسلام لن يرجعوا عنه، وفي هذا تحقيق مكسب كبير للإسلام، وتحقيق انتصار، ورفع للبلاء الذي يلاقيه المسلمون.

والجواب أن الله قد حسم هذه القضية، (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) (3) وفي آخرها (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (4) [سورة الكافرون، الآية:6] .

فالقضية قضية مبدأ، غير قابلة للمساومة ولا لتنازل قيد أنملة، فهذه مسألة من مسائل العقيدة، بل هي العقيدة نفسها.

ودفعا لأي احتمال أو طمع في هؤلاء قال -سبحانه-: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) (5) مرتين، فهو تأكيد حاسم، وخبر جازم من عند علام الغيوب، أنهم لن يعبدوا الله أبدا، لا في الحاضر، ولا في المستقبل، وكأن بعد إيمانهم كبعد استجابة الرسول، صلى الله عليه وسلم لمطلبهم، وهكذا كان، قال الإمام الطبري:

(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) (6) فيما تستقبلون أبدا"ما أعبد"أنا الآن، وفيما أستقبل، وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه، صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدثوا به أنفسهم، وإن ذلك غير كائن منه ولا منهم في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله، صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا، ولم ينجحوا إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. (7)

إن التأمل في هذه القضية، وكيف حسمها القرآن، يعطي من الدورس ما نحن بأمس الحاجة إليه، بل يرسم منهجا واضحا جليا في كيفية مواجهة أساليب كثير من أعداء الإسلام حاضرا ومستقبلا.

القضية الثانية: سبب نزول قوله -تعالى-: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) (8) [سورة الأنعام، الآية: 52] .

(1) - تفسير الطبري 3/331.

(2) - تفسير الطبري 30/331.

(3) - سورة الكافرون آية: 2.

(4) - سورة الكافرون آية: 6.

(5) - سورة الكافرون آية: 3.

(6) - سورة الكافرون آية: 3.

(7) - تفسير الطبري 3/331.

(8) - سورة الأنعام آية: 52.

قال الطبري -مسندا إلى ابن مسعود، قال:"مر الملأ من قريش بالنبي، صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك، هؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا، أنحن نكون تبعا لهؤلاء، اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية:"وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ"" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت