لو أن جماعة من الجماعات الإسلامية، التي توجد في دول كافرة، وتسعى جاهدة للدعوة إلى دين الله، ونشر رسالة الإسلام، قالت لها تلك الدولة: نحن مستعدون للتفاوض معكم من أجل النظر في الاعتراف بكم، للدخول في الانتخابات مثلا، أو للحصول على بعض الامتيازات للدعوة، ولكن نشترط عليكم أن تبعدوا فلانا وفلانا من قيادتكم، وآخرين من جماعتكم، فإننا لا نعترف بجماعة فيها هؤلاء، والجماعة لا تنقم على هؤلاء الدعاة شيئا في أمر دينهم وعقيدتهم، ولم تكن تفكر في ذلك قبل هذا الطلب، ولكن الدولة لا تريدهم احتقارا لهم.
فيا ترى هل تصمد تلك الجماعة، وترفض الموضوع جملة وتفصيلا وتقول: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) [سورة البروج، الآية: 8] . أو تبدأ مناقشة ما يسمى بالمصلحة؟ وماذا يضير لو أبعد هؤلاء من أجل مصلحة الدعوة، وتحقيقا للمكتسبات المتوقعة، إلى غير ذلك من التبريرات؟ أظن. - بحكم معرفتي بواقع بعض الجماعات -أنها ستستجيب لهذه المساومات، وقد استجابت لأقل من ذلك.
بينما حسم القرآن هذه القضية منذ العهد المكي، ورسم لنا منهجا لا لبس فيه ولا غموض (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (2) [سورة الأنعام، الآية: 52] .
إنه أمر مخيف جدا، رسول الله، صلى الله عليه وسلم أفضل البشر، وإمام المرسلين، لو فعل هذا، وهو لن يفعله إلا من أجل مصلحة الدعوة، ورسالة الإسلام، لو فعله -وحاشاه من ذلك- سيكون من الظالمين.
ويبين لنا المنهج الذي نسلكه في مثل هذه الطلبات والمساومات، عندما تبدو لنا قضية المصلحة: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (3) [سورة الكهف، الآية: 29] . الآية.
هذا واجبنا، وتلك مسئوليتنا، أن نقول الحق، أما هل يؤمن الناس أو يكفروا فليس لنا (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (4) إن القضية عندما تتعلق بالمبادئ فلا مجال للمفاوضة ولا للتنازل، والمسألة محسومة (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (5) [سورة الكافرون، الآية: 6] .
القضية الثالثة: ما ورد في سورة الفتح: قال ابن كثير: نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام، فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا، ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك: على تكره من جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب (
وقد وردت قصة الصلح في روايات عديدة، منها في الصحيحين وغيرهما. وهي قصة طويلة سأقتصرعلى جزء يسير منها مما له صلة بموضوعنا، وهو مما ثبت في الصحيح.
1-جاء في صحيح البخاري:"فدعا النبي، صلى الله عليه وسلم الكاتب (6) فقال النبي، صلى الله عليه وسلم اكتب: ( فقال سهيل(7) أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا ( فقال النبي، صلى الله عليه وسلم اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله"(8) .
2-ومما جاء في الصلح:"وإنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فتدخلها بأصحابك" (9) .
3-وجاء -أيضا-:"على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليه، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه" (10) .
هذا بعض ما ورد في الصلح، ولذلك فإن عمر لما بلغه عزم الرسول، صلى الله عليه وسلم على عقد الصلح ولم يبق إلا الكتاب غضب غضبا شديدا وذهب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين، أوليسوا بالمشركين؟"قال صلى الله عليه وسلم بلى، قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ فقال، صلى الله عليه وسلم أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني" (11)
(1) - سورة البروج آية: 8.
(2) - سورة الأنعام آية: 52.
(3) - سورة الكهف آية: 29.
(4) - سورة الرعد آية: 31.
(5) - سورة الكافرون آية: 6.
(6) - وهو علي بن أبي طالب.
(7) - سهيل بن عمرو رئيس المفاوضين من قريش.
(8) - أخرجه البخاري (2731، 2732) .
(9) - مسند الإمام أحمد 4/330 وانظر تفسير ابن كثير 4/196.
(10) - مسند الإمام أحمد 4/330 وانظر تفسير ابن كثير 4/196.
(11) - انظر المصدر السابق وتفسير ابن كثير 4/196.