إن هذا الصلح الذي اعتبره عمر ( دنية في دينه، ومع ما قد يبدو لأول وهلة من صعوبة القبول في بعض الشروط التي كتبت، وبخاصة في نظر المتحمس، هذا الصلح بشروطه سماه الله فتحا مبينا، قال ابن مسعود: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية.
وقال جابر: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ( قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، وفي مسند أحمد: فقال النبي، صلى الله عليه وسلم"نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) " [سورة الفتح، الآية: 1] .
وفي رواية أخرى لأحمد عن أنس ( قال: نزلت على النبي، صلى الله عليه وسلم(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (1) [سورة الفتح، الآية: 2] . مرجعه من الحديبية، قال النبي، صلى الله عليه وسلم"لقد نزلت على الليلة آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها، صلى الله عليه وسلم" (2) .
إننا نجد في هذه القضية أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم وافقهم على عدة أمور أهمها:
1-أن يكتب باسمك اللهم، بدلا من بسم الله الرحمن الرحيم.
2-أن يكتب: محمد بن عبد الله، بدلا من: محمد رسول الله.
3-أن يؤخر دخول مكة إلى العام القادم.
4-أن يرد من جاء من المشركين مسلما دون إذن وليه، مع أنهم لن يردوا من جاء إليهم مشركا. بل إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال للصحابة عندما احتج بعضهم على هذه الشروط:"لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"رواه البخاري (3) .
ولو دققنا النظر في هذه الأمور التي أجابهم إليها رسول الله، لوجدنا أنها لا تتعلق بالعقيدة ولا بالمبدأ، وفرق كبير بينها وبين ما سبق في سورة (الكافرون) . وسورة (الأنعام) ، وليس فيها اعتراف بالباطل أو إقرار له.
كيف وقد سمى الله هذا الصلح: (فَتْحًا مُبِينًا) (4) ولنقف مع هذه المطالب الأربعة، وقفة يسيرة موجزة، تبين ذلك.
فكتابة"باسمك اللهم"ليس فيها محذور شرعي، فلو أن مسلما قال: باسمك اللهم، وهو لا يعتقد تأويل أو نفي اسم الرحمن الرحيم ولا صفته، فإنه لا يأثم.
وأما: كتابة محمد بن عبد الله، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، وقد نفى، صلى الله عليه وسلم أي احتمال قد يتطرق إلى الأذهان، فقال لهم:"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني"فإذا انتفى اللبس جاز الأمر.
وأما رجوعهم هذا العام إلى العام المقبل، فهذه قضية مصلحية تقدر بقدرها، بل إن فيها عدم استجابة للعواطف الجياشة إذا كان سيترتب على هذه الاستجابة مفسدة.
وكم من التصرفات يقوم بها بعض الناس استجابة لعاطفة غير منضبطة تسبب مفاسد عظيمة، قد لا تقدر المفسدة أثناء العاطفة.
وقضية إعادة من جاء مسلما إلى المشركين. قد تبدو مجحفة، وهذه هي النظرة العجلى، أما النظرة المتأنية والبعيدة، والتي تتجاوز مصلحة الأفراد إلى مصلحة الأمة، بل هي في مصلحة الأفراد أنفسهم، فلا يلزم أن يقبلهم المسلمون فأرض الله واسعة، يدل على ذلك قوله، صلى الله عليه وسلم لأبي جندل:"يا أبا جندل: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا"الحديث. (5) .
وقوله لأبي بصير لما جاءه في المدينة:"ويل أمة مسعر حرب لو كان معه أحد" (6) .
وهكذا كان فقد كان ردهما بداية فتح عظيم للمسلمين.
وبعد:
هذه هي القضايا التي ذكرت أنني سأبين منهج القرآن فيها، وقد فعلت، وهنا آتي لخلاصة الموضوع ونتيجته، فأقول:
إن مفهوم التنازل قد اختلط على كثير من الدعاة والجماعات، وكل منهم يتمسك بدليل يناسبه، دون نظرة شمولية، فنحن بين إفراط وتفريط، والموضوع يحتاج -كما ذكرت سابقا- إلى دراسة شاملة مؤصلة، تجمع فيها الأدلة، وتعرض الوقائع والأحوال، مما يساعد على حسم الموضوع وبيانه.
ومن خلال ما سبق فقد اتضح لي ما يلي:
أولا: لا يجوز التنازل عن أمر يتعلق بأصل من أصول الإسلام، أو مبدأ من مبادئه، أو حكم من أحكامه التي حسمها الكتاب والسنة، أو أجمع عليها المسلمون.
ثانيا: أما مسائل الاجتهاد، ووسائل الدعوة ومراحلها، والسياسات الشرعية، فتراعى فيها القواعد، الشرعية الكلية العامة، كقاعدة، درء المفاسد وجلب المصالح، وقاعدة سد الذرائع، وقواعد وأصول: المصالح المرسلة والاستحسان، وغيرها من القواعد المعروفة.
وذلك لا يكون إلا من العلماء المتبحرين، الذين يسوغ لهم الاجتهاد.
(1) - سورة الفتح آية: 2.
(2) - انظر مسند الإمام أحمد. وتفسير ابن كثير 4/182.
(3) - أخرجه البخاري (2731، 2732) .
(4) - سورة الفتح آية: 1.
(5) - رواه أحمد 4/325 انظر تفسير ابن كثير 4/197.
(6) - رواه أبو داود (2765) ، وانظر تفسير ابن كثير 4/199.