وأخيرا أقول: إن حرصنا على نصر دين الله، وشدة محبتنا لظهوره على الدين كله يجب ألا تكون مخرجة لنا عن الالتزام بالمنهج الشرعي، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة.
صور النصر العاجل والآجل في القرآن
جاء النصر في القرآن على عدة صور، أشرت إليها سابقا، ولكن أحببت أن أذكرها مجتمعة باختصار؛ لتكون واضحة أمام الدعاة، ولئلا يتعجلوا وعد الله، فكل شيء عنده بمقدار، فلا يعجله حرص حريص، ولا يردّه كره كاره، وهو العليم الحكيم.
1 -من الأنبياء من أذاه قومه، فنصره الله عليهم، فأهلكهم وأقام الدين في حياته، كموسى ومحمد، عليهما أفضل الصلاة والسلام.
2-ومنهم من ولاه الله الملك - وهذا نصر عظيم- كداود وسليمان، عليهما السلام.
3-ومنهم من أذاه قومه ولم يؤمنوا به، سوى قليل منهم فنجاه الله ومن معه، وأهلك عدوه، ثم لم يبين لنا القرآن ماذا حدث للنبي بعد ذلك، أي: هل آمن به قوم آخرون، أو بقي على من آمن معه ومن آمن من ذرياتهم، كنوح وهود وصالح ولوط.
4-ومنهم من قتله قومه، أو حاولوا قتله، فانتقم الله له بعد حين، كيحيى وعيسى، ومن أرسل لأصحاب القرية (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (1) [سورة يس، الآية: 29] .
5-ومنهم من يئس من قومه فتركهم، فعاقبه الله، ثم عفا عنه، ولما عاد إليهم، نصره الله نصرا مؤزرا، وظهر الدين وهو يونس (2) .
6-ومن الدعاة من قتله قومه فآمن به بعض قومه فقتلوا وحرّقوا، ولكن لا نعلم ماذا حل بهؤلاء القتلة، سوى أن الله دعاهم للتوبة، وتوعدهم إن لم يتوبوا بعذاب جهنم وعذاب الحريق في الآخرة.
وهؤلاء هم أصحاب الأخدود (3)
ولا يعنى هذا أنهم لم ينصروا في الدنيا، فقد بينت أوجه النصر عند ذكر قصتهم.
إن استحضار هذه الصور في ذهن الداعية عامل مساعد في تخطي الصعاب، وتجاوز العقبات الحسية والمعنوية، وتزيد من إيمان الداعية بربه في تحقق موعوده، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (4) [سورة يوسف، الآية: 21] .
وقفة مع قصة يونس عليه السلام.
قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (5) [سورة القلم، الآية: 48] . لقد وردت قصة يونس، عليه السلام، في القرآن في عدة مواضع، منها في سورة الأنبياء:
(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (6) [سورة الأنبياء، الآية: 87] .
وأطول قصة له وردت في الصافات (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (7) [سورة الصافات، الآيات: 139-148] . ووردت في سورة القلم: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (8) [سورة القلم، الآيات: 48 - 50] . قد وردت قصة يونس بروايات متعددة، واختلف المفسرون حول سبب تركه لقومه، ومعنى قوله -تعالى-: (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) (9) على قولين:
1-قيل ذهب مغاضبا لربه.
2-قيل ذهب مغاضبا لقومه.
وقد روى الطبري عن ابن عباس والضحاك أنه ذهب مغاضبا لقومه.
وروى عن الشعبي، وسعيد بن أبي الحسن، وسعيد بن جبير أنه ذهب مغاضبا لربه.
وقد رجّح الإمام الطبري بعد ذكر عدة روايات، أنه ذهب مغاضبا لربه، فقال:
وهذا القول -أعني قول من قال إنه ذهب مغاضبا لربه- أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (10) على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبي من الأنبياء ربه، واستعظاما له، وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا. (11)
(1) - سورة يس آية: 29.
(2) - هناك خلاف حول سبب تركه لقومه سيأتي بيانه بعد صفحات.
(3) - انظر كتاب معالم في الطريق ص180، وفي ظلال القرآن تفسير سورة البروج 6/3873.
(4) - سورة يوسف آية: 21.
(5) - سورة القلم آية: 48.
(6) - سورة الأنبياء آية: 87.
(7) - سورة الصافات آية: 139.
(8) - سورة القلم آية: 48-50.
(9) - سورة الأنبياء آية: 87.
(10) - سورة الأنبياء آية: 87.