فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 3657

(11) - انظر تفصيل ذلك في تفسير الطبري 17/76.

والذي يعنينا -هنا- أن يونس، عليه السلام، سواء كان قد ذهب مغاضبا لربه أو لقومه، فإنه قد استعجل الأمر، ولم يصبر كما قال -تعالى- لمحمد، صلى الله عليه وسلم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (1) فإنه لم يصبر، وسواء كان، عليه السلام، استعجل إيمانهم أو استعجل العذاب لهم (2) لأنهم قد كذبوه، والإيمان انتصار، وتعذيب المكذبين انتصار للداعية، فإنه قد استعجل الانتصار، عليه السلام، ولذلك عاقبه الله، بأن ابتلعه الحوت، وهو مليم، أي: مذنب.

ولكن الله عفا عنه وكفر له بعد أن نادى في الظلمات واعترف بذنبه، عليه السلام، بل اجتباه ربه فجعله من الصالحين.

فلما رجع إلى قومه بأمر من الله، آمنوا كلهم، (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (3) [سورة الصافات، الآيتان: 147، 148] . وهذا من أعظم الانتصار.

قال الإمام الطبري في تفسير قوله -تعالى-: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (4) [سورة القلم، الآية: 48] . يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين، بما أتيتهم به من القرآن وهذا الدين، وامض لما أمرك به ربك، ولا يثنينك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك.

(وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (5) قال قتادة: لا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب،"وهو مذموم"أي: مذنب أو مليم.

قال الطبري: أي لا تكن كصاحب الحوت فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما حبس يونس في بطن الحوت (6) .

إنه أمر عظيم حري بالدعاة أن يفقهوه.

وقفات مهمة

أولا: إذا فهم الداعية حقيقة الانتصار، فإن هذا لا يعني أن يتساهل الداعية في أمر الدعوة، وفي السعي الحثيث لإزالة المنكرات، والجد في محاولة هداية الناس، وذلك أن الشيطان قد يوسوس له فيقول:

أنت مهمتك البلاغ، أما النتائج فليست لك -وهذا حق- فإذن لماذا تحزن أو تتعب نفسك فيما ليس لك. ثم يوسوس له أن هؤلاء الناس لا خير فيهم، ويكفي أنك بيّنت مرة أو مرتين، أو ثلاثا، فإذا لم يستجيبوا فإنك معذور، ولا داعي للاستمرار والإصرار، لأن جهودك ضائعة، ولو استفدت من وقتك في غير هذا الأمر لكان أحسن.

ثم يبدأ الداعية يتراخى شيئا فشيئا، حتى يترك الدعوة وينعزل عن الناس وشأنهم وليس هذا هو المراد، ولكن إدراك حقيقة الانتصار يزيد من حماس الداعية -مع الانضباط- سعيا وراء تحقيق هذا المطلب الذي عز مناله، سواء أكان انتصارا ظاهرا لدين الله، أو كان انتصارا للداعية نفسه -كما سبق تفصيله-.

وعلى الداعية أن يحزن ويفرح، ولكن لا بد أن يكون حزنه وفرحه إيجابيا فعالا.

فحزنه يزيد من حرصه وإصراره على إنقاذ أمته، وهداية قومه، وتعبيد الناس لله جل وعلا.

وفرحه يقوي عزيمته ويشد من أزره للمضي قدما في تحقيق أهدافه متلذذا بنشوة الانتصار وحب الخير للناس.

ثانيا: كل داعية يجب أن يرسم لنفسه منهجا يسير عليه ويحدد أهدافا يسعى لتحقيقها، يستمد ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مراعيا حاجة المجتمع الذي يعيش فيه، والواقع الذي يعاصره ولكن بعض الدعاة عندما يسير زمنا في دعوته، ثم يرى ما تحقق على يديه، فيلحظ أنه لم تتحقق الأهداف التي رسمها، ولكن تحقق جزء منها، يشعر أنه فشل في مهمته، وخسر في دعوته، فييئس ثم يتوقف.

وهذا أمر خطير، فإذا كان بعض الأنبياء لم يتحقق على أيديهم هداية رجل واحد، ومع ذلك لم يشكوا في دعوتهم أو يتوقفوا في طريقهم، فكيف برجل ليس نبيا، ومع ذلك حقق بعض ما يدعو إليه؟! ولذلك فقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي:"فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" (7) . يدل علي أن هداية رجل واحد انتصار عظيم للداعية، فكيف يكون الداعية مثاليا، إما كل شيء، أو لا شيء؟!

ولذلك فإن كلمة سيد -رحمه الله-"خذوا الإسلام جملة أو دعوه". تحتاج إلى تفصيل، ولا تؤخذ على إطلاقها، فبعض وجوه معانيها حق، وهناك وجوه أخرى فسرت بها هذه الكلمة، يستشهد بها بعض الدعاة، مما يخالف المنهج الصحيح.

(1) - سورة القلم آية: 48.

(2) - انظر تفسير الطبري 17/76 وما بعدها.

(3) - سورة الصافات آية: 147-148.

(4) - سورة القلم آية: 48.

(5) - سورة القلم آية: 48.

(6) - انظر تفسير الطبري 29/44.

(7) - أخرجه البخاري (2942) مسلم، (2406) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت