ثالثا: من أهم أنواع الانتصار هو الانتصار على النفس بل لا يمكن أن يتحقق له أي نوع من أنواع النصر إلا إذا انتصر على نفسه وشهواتها (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (1) [سورة آل عمران، الآية: 165] . (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (2) [سورة النازعات، الآيتان: 40، 41] . (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (3) [سورة النساء، الآية:79] . (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (4) [سورة المائدة، الآية: 30] . (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (5) [سورة الرعد، الآية: 11] . إلى غير ذلك من الآيات.
ومن هنا فإذا تأخر النصر فلنبدأ في بحثنا عن سبب ذلك من أنفسنا، فمِن مأمنه يؤتى الحذر.
الخاتمة
وبعد أن عشنا (6) مع هذا الموضوع وعايشناه، نصل إلى خاتمة المطاف فأقول:
مما سبق اتضح لنا أن حقيقة انتصار الداعية تتمثل فيما يلي:
1-التجرد لله والإخلاص له (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (7) [سورة الأنعام، الآيتان: 162، 163] . وقال سبحاله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (8) [سورة البينة، الآية: 5] . والعمل الذي لا يصاحبه الإخلاص حري بالرد وعدم القبول.
2-سلامة المنهج، وهو أن يكون وفق ما كان عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وهو منهج الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، قال -سبحانه-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (9) وقال صلى الله عليه وسلم"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"وقال:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي" (10) .
3-الالتزام التام بما يدعو إليه والثبات على الطريق حتى يلقى الله، قال -سبحانه-: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (11) [سورة الزخرف، الآية: 43] . وقال: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (12) [سورة لقمان، الآية: 22] . وقال: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (13) [سورة البقرة، الآيتان: 44، 45] . فالثبات على الطريق، من أقوى عوامل النصر وعلاماته.
بل إن صاحب الباطل إذا ثبت على باطله فغالبا ما ينتصر (14) فكيف بمن هو على الحق المبين؟.
(1) - سورة آل عمران آية: 165.
(2) - سورة النازعات آية: 40-41.
(3) - سورة النساء آية: 79.
(4) - سورة المائدة آية: 30.
(5) - سورة الرعد آية: 11.
(6) - أنا والقراء.
(7) - سورة الأنعام آية: 162-163.
(8) - سورة البينة آية: 5.
(9) - سورة الأنعام آية: 153.
(10) - رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني في صحيح الجامع رقمه 2937.
(11) - سورة الزخرف آية: 43.
(12) - سورة لقمان آية: 22.
(13) - سورة البقرة آية: 44-45.
(14) - أي يحقق أهدافه في الدنيا.
4-الصدع بالحق، وعدم المداهنة أو الخوف من غير الله قال-تعالى-: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (1) [سورة الحجر، الآيتان: 94، 95] . وقال: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (2) [سورة الكهف، الآية: 29] . وقال -سبحانه- (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (3) [سورة المائدة، الآية: 67] . وقال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) (4) [سورة آل عمران، الآية:187] . وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) (5) [سورة المائدة، الآية: 8] . إلى غير ذلك من الآيات التي توجب الصدع بالحق والدعوة إليه.