إنه من الصعب جدا أن نصل إلى الحقيقة الكاملة لشخصية محمد. إنني لم أستطع الحصول إلا على لمحة سريعة منها. يا لها من تعاقب مثير لمشاهد رائعة!
فهناك محمد النبي ومحمد القائد ومحمد الملك ومحمد المقاتل ومحمد التاجر ومحمد الواعظ أو البشير ومحمد الحكيم ومحمد رجل الدولة ومحمد الخطيب ومحمد المصلح والمجدد ومحمد ملاذ اليتامى ومحمد حامي العبيد (الرقيق) والمدافع عنهم [1] ومحمد محرر النساء [2] ومحمد القاضي والحكم ومحمد القديس.
ولقد كان محمد بطلاً في كل هذه المهام الجليلة وفي جميع مجالات النشاط الإنساني على حد سواء.
إن حال اليتيم هو منتهى الضعف وانعدام الحيلة.
وقد بدأ محمد حياته يتيمًا. والملك هو ذروة السلطة المادية، وقد انتهت إليه حياته [3] .
وقد تقلب حاله من صبي يتيم إلى لاجئ مضطهد ثم إلى سيد [4] ـ بالمفهوم الديني والدنيوي أيضًا ـ لأمة بأكملها، مقررًا لمصيرها بكل ما فيه من تجارب وإغراءات ومخاطر وبكل ما فيه من تقلبات وتغيرات ومن ضياء وظلام ومن ارتقاء وانحدار ومن فظاعة وعظمة.
لقد قاوم محن الدنيا وخرج منها سالمًا ليكون مثالاً يحتذى في كل مرحلة من مراحل الحياة. ولم تقتصر إنجازاته على جانب واحد من جوانب الحياة ولكنها شملت أيضًا جميع أوضاع البشرية الاجتماعية.
محمد الأعظم:
لو أن العظمة تكمن في تنقية وتطهير أمة مشربة بالهمجية والتخلف ومنغمسة في ظلام أخلاقي مطلق، فإن الشخص المتميز بالفاعلية والمليء بالقوة والنشاط الذي استطاع أن يحول ويهذب وينهض بأمة بأكملها غارقة في الحضيض ـ كما كان حال العرب ـ ويجعلهم حملة مشاعل الحضارة والمدنية والتعليم، له كل الحق في هذه العظمة.
ولو أن العظمة تكمن في توحيد العناصر المتنافرة والمتضاربة والمتشاكسة والمختلفة في المجتمع برابطة الأخوة والإحسان، فإن لنبي الصحراء كل الحق لهذا الامتياز.
ولو أن العظمة تكمن في إصلاح هؤلاء الغارقين في أوهام ومعتقدات خرافية منحطة ومخزية وممارسات خبيثة مهلكة متعددة الأنواع، فإن نبي الإسلام قد بدد الأوهام والمعتقدات الخرافية والمخاوف المنافية للعقل والمنطق من قلوب الملايين.
ولو أن العظمة تكمن في نشر الأخلاق السامية، فإن الأعداء والأصحاب شهدوا لمحمد بأنه الصادق الأمين.
ولو أن الفاتح المنتصر رجل عظيم، فهاهو إنسان قد بلغ مرتبة مساوية للأكاسرة والقياصرة بعد أن كان مخلوقًا بسيطًا يتيمًا لا حول له ولا قوة. وأسس إمبراطورية عظيمة ظلت كذلك على مدى هذه القرون الأربعة عشرة.
ولو أن الحب الشديد الذي يناله القائد هو المقياس للعظمة، فإن مجرد ذكر اسم هذا النبي له تأثير الرقية الفاتنة ـ حتى في يومنا هذا ـ على ملايين الأنفس المنتشرة في جميع أنحاء العالم.
النبي الأمي:
لم يدرس محمد الفلسفة أو الحكمة في مدارس أثينا أو روما أو فارس أو الهند أو الصين. ومع ذلك فقد استطاع أن يكشف للبشرية أسمى وأعلى الحقائق الخالدة القيمة، وبالرغم من كونه أميًا فقد كان يستطيع الكلام بفصاحة وحماسة تدفع الرجال إلى دموع الفرحة، ومع أنه ولد يتيمًا وبلا أموال دنيوية فقد كان محبوبًا من الجميع.
كما أنه لم يدرس في أية أكاديمية عسكرية ومع ذلك فقد كان يستطيع تنظيم قواته في مواجهة ظروف مروعة، وانتصر بواسطة القوات العسكرية ذات الخلق والدين التي كان ينظم ويرتب صفوفها بنفسه.
إنه نادرًا ما نجد الرجال الموهوبين بالقدرة الفائقة على الوعظ والحديث الجاد. وقد اعتبر"ديكارت" [5] Descartes الواعظ الماهر ضمن أندر أصناف الرجال في العالم.
وقد عبر"هتلر" [6] عن رأي مشابه في كتابه"كفاحي". حيث يقول:"من النادر أن يكون واضع النظريات قائدًا عظيمًا، أما المحرك الاجتماعي أو السياسي فامتلاكه لتلك الصفات التي ترشحه للقيادة أرجح إلى حد بعيد، فهو دائمًا قائدًا أفضل؛ فالقيادة تعني القدرة على تحريك جموع البشر، والقدرة على تقديم الأفكار لا علاقة لها بالقدرة على القيادة".
ولكنه يضيف:"إن اتحاد صفات وضع النظريات والتنظيم والقيادة في شخص واحد هي ظاهرة من النادر جدًا حدوثها في هذا العالم. وهنالك تكمن العظمة".
وقد شاهد العالم هذه الظاهرة النادرة تتجسد في شخص عاش على الأرض هو نبي الإسلام.
يقول"كارلايل" [7] في كتابه"الأبطال وعبادة الأبطال":
"لقد كان محمدًا رجلاً فقيرًا، شديد الكدح، غير قادر على الإعالة، لا يهتم بما يجتهد في طلبه الرعاع أو السوقة. وفيما أرى فإنه لم يكن امرؤ سوء، ولم يكن طالب شهوة من أي نوع، وإلا ما وقره هؤلاء الرجال الوحشيين [8] ، الذين قاتلوا وخاضوا الملاحم طوع أمره خلال ثلاث وعشرين سنة، وهم في ذلك وثيقوا الصلة به دائمًا، كل هذا التوقير!"
"لقد كانوا رجالاً وحشيين يندفعون بين الفينة والفينة بقوة إلى التشاجر وكل ألوان التشاحن العنيف، وما كان يستطيع أي رجل أن يقودهم بدون أن يمتلك القيمة الأخلاقية والشجاعة."
أو إنكم لتعجبون كيف دعوه واعتبروه نبيًا؟