فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 3657

أولم يقف وسطهم ظاهرًا لهم يواجهونه ويخاطبونه بلا حاجب بينه وبينهم، غير محاط بأي سر من الأسرار الدينية أو غموض. فكان يرى وهو يرقع ثوبه ويصلح نعله، ويقاتل ويستشير ويصدر الأوامر وهو بينهم. فلابد أنهم أدركوا أي نوع من الرجال كان.

ولتسمه ولتدعه ما تشاء! إنه لم يطع إمبراطورًا جليلاً متوجهًا مثلما أطيع هذا الرجل في ثوب رقعه بنفسه.

وإنني لأجد أن خوضه ثلاثة وعشرين عامًا من التجارب الحرجة الصعبة يستلزم بالضرورة نوعًا من البطولة الحقيقية"."

والأعجب من ذلك ما يقوله القس"بوزوورث سميث"Bosworth Smith:

"لقد كان رئيسًا للدولة ولجماعة تدين بنفس العقيدة، لقد كان يجمع سلطة ومقام قيصر والبابا معًا، ولكنه بابا بدون خيلاء البابا وغروره، وقيصر بلا فيلق [9] أو حشوده وبلا جيش عامل ولا حارس شخصي ولا قوة من الشرطة ولا دخل ثابت. لو أن ثمة رجل كان له الحق في أن يدعي أنه يحكم بالحق الإلهي فقد كان هذا الرجل هو محمد، فقد كانت معه جميع السلطات من غير أن يكون معه ما يدعمها أو يحافظ عليها. وقد كانت بساطة حياته الخاصة متطابقة ومنسجمة مع حياته العامة".

محمد الطاهر النقي:

لقد صارت مساحة تقدر بمليون ميل مربع تحت تصرفه بعد فتح مكة. إن سيد جزيرة العرب كان يصلح نعله ويرتق أو يرفو ملابسه الصوفية الخشنة ويحلب الشياة ويكنس البيت ويوقد النار ويقوم بالأعمال المنزلية الأخرى التي يعهد بها إلى الخدم عادة. وفي الأيام الأخيرة من حياته كانت المدينة حيث كان يقيم قد صارت أكثر غنى، وكان الذهب والفضة متوفرين في كل مكان. وعلى الرغم من الرخاء الاقتصادي الذي كانت تشهده المدينة في تلك الأيام فإن أيامًا كثيرة كانت تمضي من غير أن توقد النار في بيت ملك جزيرة العرب [10] .

وكان طعامه يقتصر على (الأسودين) التمر والماء، وكان أهل بيته يبيتون جوعى ليال عديدة متعاقبة لأنه ليس ثمة طعام يأكلونه في تلك الليالي، ولم يكن محمد ينام على فراش وثير وإنما كان فراشه حصيرًا مصنوعًا من ألياف النخل بعد يوم شاق طويل. وقضى معظم ليله في الصلاة [11] .

وكثيرًا ما كان يندفع إلى البكاء بين يدي خالقه طالبًا أن يمنحه القوة للقيام بواجباته.

وكما تذكر لنا الروايات فقد كان صوته يكاد يحبس بسبب بكائه فيبدو كأنه أزير [12] مرجل [13] بدأ يغلي على النار.

وكان كل ما يملكه يوم وفاته هو بضع دراهم، قسم منها قضى به دين له وأعطى الباقي لبعض الفقراء الذين جاءوا إلى بيته يطلبون إحسانًا.

والثوب الذي كان يلبسه حينما فاضت روحه إلى بارئها كان به رقعًا عديدة.

أما البيت الذي طالما انتشر منه النور إلى العالم فكان معتمًا لأنه لم يكن في المصباح زيتًا.

الثبات على المبدأ حتى الموت:

لقد تغيرت الظروف المحيطة به ولكن نبي الله لم يتغير. وكانت لمحمد نفس الشخصية سواء في حال النصر أو الهزيمة وسواء في حالة القوة أو المحنة وسواء في ساعة اليسر أو العسرة. فرسل الله وأنبياؤه لا يتبدلون كما لا تتبدل طرق الله وسننه ونواميسه.

محمد الأعظم [14] :

يقول المؤرخ الفرنسي لامارتين [15] في كتابه:"تاريخ تركيا"طبعة باريس 1854، المجلد الثاني ص 276 و277:

لو أن عظم الغاية

وصغر الوسائل وقلة الموارد

والنتائج المدهشة

هي ثلاثة معايير لعبقرية الإنسان، فمن يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟

إن أشهر الرجال صنعوا الأسلحة وشرعوا القوانين ووضعوا النظريات وأسسوا الإمبراطوريات فقط، فهم لم يؤسسوا ـ لو اعتبرنا أنهم أسسوا شيئًا يذكر ـ أكثر من قوى مادية أو سلطات مادية كثيرًا ما انهارت وزالت أمام أعينهم.

أما هذا الرجل، محمد، فإنه لم يحرك ويؤثر في الجيوش والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والأسر الحاكمة فقط ولكنه حرك وأثر في ملايين الرجال، بل الأكثر من ذلك إنه أزاح الأنصاب [16] والمذابح والآلهة الزائفة وأثر في الأديان وغير الأفكار والاعتقادات والأنفس.

واستنادًا إلى كتاب كل حرف منه صار يمثل شريعة، أسس محمد قومية روحية (أو دينية) امتزجت فيها بتآلف سويًا شعوب من كل لسان ومن كل جنس.

إن فكرة وحدانية الله التي أعلنها ونادى بها ودعا وسط السأم الشديد من النظريات اللاهوتية [17] الخرافية غير القابلة للتصديق، كانت في نفسها معجزة بحيث أنه بمجرد أن صرح بها دمرت جميع الاعتقادات الخرافية القديمة..

إن صلواته ودعواته المتصلة، وأحاديثه الغيبية أو مناجاته مع الله، ووفاته ونجاحه وانتصاره بعد وفاته، كلها أمور لا تشهد على أنه كان دجالاً أو مدعيًا للنبوة ولكنها تشهد على إيمان راسخ منحه القوة لكي يحيى ويجدد العقيدة. وهذه العقيدة كانت ذات شقين هما: وحدانية الله وأن الله ليس كمثله شيء. فالشق الأول يثبت لنا ما لله (من أسماء وصفات) ، والشق الآخر ينفي عنه ما ليس له[[18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت