وقد كان اليهود يدركون ذلك ، وأن الشريعة التي بعث بها أيسر الشرائع ، وأخفها على الناس ، فعندما زنى رجل من اليهود بامرأة ، قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بعث بالتخفيف - وهذا هو الشاهد - فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله ، فقلنا نبي من أنبيائك !! - وهذا إقرار صريح بنبوته - صلى الله عليه وسلم - فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد في أصحابه ، فقالوا: يا أبا القاسم ! ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب فقال: ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ ) . قالوا: نحممه ، ونجبيه ، ونجلده ._ والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل أقفيتهما ويطاف بهما - ، وسكت شاب منهم ، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم -ساكتا ، أنشده ؟ فقال: اللهم إذ نشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرجم .فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟) . قال: زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا ، فأخر عنه الرجم ، ثم زنى رجل في أسرة من الناس ، فأراد رجمه ، فحال قومه دونه ، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه .فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أحكم بما في التوراة) ، فأمر بهما فرجما. [ رواه الإمام أبو داود ح/4450 ] .
خامسا: اجتمع للنبي - صلى الله عليه وسلم - عدة أمور لا يجتمع مثلها إلا لنبي مثل: المعجزات ، ومثل صفاته ، فهذا عدي بن حاتم من سادة قبيلة طيء ، وكان نصرانيا ، يخبر بتأثره بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم- وذلك في أول لقاء له به ، قال عدي: فانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة كبيرة فاستوقفته ، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها!!
قال:قلت في نفسي والله ما هذا بملك! [ابن إسحاق رحمه الله، انظر السيرة النبوية لابن هشام رحمه الله 5/278] .
ومما اجتمع له إضافة لما ذكر ، قرائن أحواله منذ الصغر فلم يكذب ولم يخن ..الخ [ انظر كتاب البشارة بنبي الإسلام لـ أحمد حجازي السقا ، ينقل عن محصل أفكار المتقدمين للرازي. [1/196 ] .
ولكن هل من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه ؟
يقول ابن تيمية رحمه الله: ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه ، كما أن موسى - عليه السلام - كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة ، وكذلك الخليل - عليه السلام - أرسل إلى نمرود ولم يتقدم به بشارة نبي إليه ، وكذلك نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ولوط - عليهم السلام - لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم ، مع كونهم أنبياء صادقين ، فإن دلائل نبوة النبي - صلى الله عليه وسله - لا تنحصر في إخبار من تقدمه ، بل دلائل النبوة منها المعجزات ومنها غير المعجزات. [ أنظر الجواب الصحيح 2/ 32] .
وهذه الآيات والدلائل المبينة لنبوة محمد - صلى الله عليه وسله - من غير البشارات كثيرة جدا ، وهي حجة على أهل الكتاب ، وعلى غيرهم من الأمم ، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [سورة المائدة الآية: 19 ] ، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } [ سورة آل عمران الآية: 98 ] ، و القرآن أعظم آية جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهوحجة على من بلغه ، قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [ سورة الأنعام الآية: 19 ] ، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض ، قامت عليه الحجة بما بلغه دون ما لم يبلغه ، فإذا اشتبه معنى بعض الآيات وتنازع الناس في تأويل الآية وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ، فإذا اجتهد الناس في فهم ما أراده الرسول فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر. [الجواب الصحيح 2/293 ] .
فكيف يكون جوابهم ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ؟!
ويأتي الآن السؤال المهم: ما الدلالات على أن محمدا - صلى الله عليه وسله - مذكور في التوراة والإنجيل ، ليوصف أهل الكتاب بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ؟
والجواب يتمثل في الدلالات التالية: