فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 3657

ومن شأن هذا الأمر أن يسمح للممكن لهم أن تكون لهم اليد الطولي وبسط نفوذهم على من يقع تحت إمرتهم أو إشرافهم، فيستطيعوا من خلال ذلك الموقع فرض أنظمتهم وسن قوانينهم فيسايرهم في ذلك أممًا طوعًا أو كرهًا من يقع تحت دائرة تأثيرهم.

ومن خلال استعراض الآيات في كتاب الله يتضح هذا الأمر بكل جلاء، ويمكن تقسيم هذا الاستعراض إلى أربعة أقسام:

1 -التمكن لنبي الله يوسف عليه السلام، قال تعالى: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض [ [يوسف: 21] ، وقال عز من قائل: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين [ [يوسف: 56] .

2 -التمكين لذي القرنين، قال تعالى: ]ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببًا [ [الكهف: 84] ، وقال سبحانه: ]قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينه ردمًا [ [الكهف: 95] .

3 -التمكين للذين كفروا، نذكر منه على سبيل المثال بعض الآيات، قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، الآية العاشرة بعد أن أقسم جل وعلا أنه سيسأل المرسلين والأقوام الذين أرسلوا فيهم: ]ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلًا ما تشكرون [، وقال في سورة الأنعام [6] : ]ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين [، وقال سبحانه في سورة القصص [57] : ]وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء[، وغير ذلك من الآيات.

4 -التمكين للمؤمنين أو الوعد لهم بذلك، قال سبحانه عن أصحاب موسى عليه السلام: ]وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها [ [الأعراف: 137] ، وقال في سورة القصص [5 - 6] : ]ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُمكن لهم في الأرض [، وقال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين يأتوا من بعدهم: ] وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأمر كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا [ [النور: 55] ، وقال في سورة الحج [41] : ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[.

هذه معظم المواطن التي وردت فيها كلمة مكَّن ومشتقاتها وتلك هي معانيها وكلها تدور، كما ذكرنا سابقًا، حول إمامة الناس والتولي عليهم وإخضاعهم لسلطة ونفوذ الأقوام الممكن لهم. ولنا كلمة أو وقفة حول الوعد بالتمكين للمؤمنين حيث أنه عند استعراض الآيات التي يتعلق أمر التمكين فيها للمؤمنين نجد أن الله يتحدث على ما بعد التمكين وما يجب أن يكون عليه أمر الفئة المُمَكَّن لها، وهو الأمر الخطير، وذلك لأن النفوس في حال النصر والتمكين والظفر برقاب الناس قد يخالط سويداء قلوبها ما يجعلها تتكبر على الخلق وتنتقم منهم، فاقتضى المقام التنبيه على ذلك، كما قال موسى عليه السلام لقومه المستضعفين: ]عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون[، وتذكير المؤمنين أن تمكينهم يختلف عن تمكين غيرهم، فهم يمثلون مبدأ ورسالة سماوية وليس منهجًا أرضيًا، وهم فوق ذلك مؤتمنون عليها، فهذا الذي ائتمنهم - وهو الله جل جلاله - يقول لهم: هذا هو الحال الذي أطلب منكم أن تكونوا عليه عند حصول التمكين لكم.

ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعز الله فيه الإسلام وجنده، ويخذل الشرك وأهله، يجب علينا أن نضع هذه المعاني نصب أعيننا حتى نزيل العوائق التي تحول بين هذا الواقع المشرق المضيء وبين واقع الذل والهوان الذي نتجرع كؤوسه كل يوم.

2 -بين الوعد والتهديد:

وعد الله الذين آمنوا بالنصر والتمكين ثم الظفر بأعدائهم في آيات كثيرة من كتابه العزيز، والله لا يخلف وعده، فإذا ما تخلف هذا الوعد وتأخر فعلى المؤمنين أن يراجعوا مسيرتهم وأن يتهموا أنفسهم ليكتشفوا المثالب والأخطاء التي وقعوا فيها حتى يتجنبوها، ويجب عليهم أن يقتلعوها من جذورها حتى لا تألفها النفوس وتعتاد على العيش في مستنقعها الآسن [كما هو واقعنا اليوم فإلى الله المشتكى] .

فالحق جل في علاه يقول: ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [، ] وكان حقًا علينا نصر المؤمنين [، ] والعاقبة للمتقين [، ] واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفين في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره [، ] وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب[، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتاب الله، أو مبين في سنة رسوله عليه السلام.

هذا الرب الرحيم الودود الذي قطع على نفسه هذا الوعد، هو الذي هدد من يتقاعس أو يتوانى أو يرتد عن نصرة هذا الدين بالاستبدال في حال الإقدام على هذه الأمور الذميمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت