فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 3657

فقال في سورة المائدة [54] : ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم - إلى قوله - والله واسع عليم[.

وقال في سورة التوبة: ]قل إن كان آباؤكم - إلى قوله - والله لا يهدي القوم الفاسقين [، وقال: ] يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله - إلى قوله - والله على كل شيء قدير[.

وقال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ]ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني - إلى قوله - ثم لا يكونوا أمثالكم[، قال القرطبي:"أي في الجهاد وطرق الخير".

وبالعودة إلى أسباب النزول وبعض ما تضمنته هذه الآيات من أحكام نجد ما يلي:

1 -ذكر المفسرون عند آيات سورة المائدة بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين ما سيقع في هذه الأمة من ارتداد بعض الطوائف عن الإسلام، وذلك لأن هذه الآية كانت من أواخر ما نزل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه الآية وما قبلها في سورة المائدة:"فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو سبحانه لما نهى عن موالاة الكفار، وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم؛ بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئًا، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار، ويجاهدون في سبيل الله؛ لا يخافون لومة لائم - إلى أن قال - فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه؛ لا يضرون الإسلام شيئًا، بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة" [من وسائل دفع الغربة، ص 63 - 64] .

2 -آيات سورة التوبة، جاءت عقب النهي عن موالاة الآباء والإخوة الكفار وختم ذلك بقوله: ]والله لا يهدي القوم الفاسقين[، يقول الألوسي رحمه الله:"أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله..."اهـ.

3 -] يستبدل قومًا غيركم [،"وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قومًا مطيعين، مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير، أو أهل اليمن، كما روي عن أبي روق، أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين"[نفس المرجع: ص 133] .

4 -آية التوبة: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم...[، قال ابن عطية:"ولا اختلاف بين العلماء في أن هذه الآية نزلت عتابًا على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك..."اهـ.

يتبين من خلال الجمع بين هذه النصوص؛ نصوص الوعد ونصوص التهديد أن أمر التمكين والظفر بالأعداء لا يستحقه كل من انضوى تحت مسمى الإيمان وهو مع ذلك راكد لا تهز كيانه ولا تحرك مشاعره ووجدانه نداءات الوحي ومتطلبات الإيمان. كلا، إن هذا الأمر لا يستحقه إلا من تخلى عن الصفات الذميمة التي ذكرها الله في معرض التهديد، واتصف بالصفات الإيجابية التي ذكرت في تلك الآيات أو في غيرها، وإليك أخي الكريم بيان موجز لبعض تلك الصفات التي نسأل الله أن يوفقنا لامتثالها في حياتنا وفي أنفسنا حتى يغير الله ما بنا من واقع الذل والهوان.

3 -بعض المواصفات: يصعب حصر تلك الصفات وتناولها بشيء من التفصيل في مثل هذا الحيز المتاح، وما سيرد ذكره هو على سبيل المثال ومما استدعى المقام الإشارة إليه لأهميته وتذكير أنفسنا به.

أ - أولى هذه المواصفات: أنه جيل يحب الله ويحبه الله.

قال تعالى: ] فسوف يأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونهم[، وهذه أول صفة ذكرها الله في معرض تهديد من ارتد عن الإسلام، وبالعودة إلى الآيات التي ذكرناها سابقًا نجد أن هذه الصفة من أهم الخصال التي يجب أن يتحلى بها يريد أن يحقق الله على يديه أمر إعزاز الإسلام والمسلمين.

فتقديم محاب الله ورسوله على الأمور التي جبل الإنسان على محبتها مثل المال والولد والزوج والعشيرة أو النفس أو غيرهما دلالة كذلك على صدق هذه المحبة ومحك لاختبار دعوى من يتشدق بها. ]ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا [ لماذا؟ ] إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا[.

ولهذا نقل عن السلف قولهم أن قومًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا محبة الله فاختبرهم الله جل وعلا بقوله في سورة آل عمران: ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله [ [آل عمران: 31] ، وتسمى هذه الآية آية المحنة لامتحانها القلوب في ادعائها هذا.

ومحبة الله عبده رضاه عنه وتيسير الخير له، ومحبة العبد ربه انفعال النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينه [ابن عاشور: 236] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت