فهرس الكتاب

الصفحة 1591 من 3657

ثم انصرفوا عنه ، وخلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم ، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال: والله يا معشر النصارى ! لقد عرفتم إن محمدا لنبي مرسل ،ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ،ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم ،فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم ، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. [ ابن إسحاق ، انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/125] .

فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إليهم ومعه الحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه. [قال ابن كثير: أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ، انظر تفسير القرآن العظيم 1/369 ] . فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال العاقب والسيد: لا نلاعنك ،ولكنا نعطيك ما سألت ، فابعث معنا رجلا أمينا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأبعثن رجلا أمينا حق أمين ، حق أمين) . فاستشرف لها أصحابه -رضي الله عنهم - فقال: (قم يا أبا عبيدة بن الجراح) . فلما قفا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا أمين هذه الأمة) . [رواه الإمام أحمد 1 /414 ، وانظر تفسير القرآن العظيم 1/369] ، فعادوا إلى نجران ،وبقي من وفدهم قيس بن أبي وديعة مرض فأقام بالمدينة نازلا على سعد بن عبادة ، فعرض عليه الإسلام فأسلم و رجع إلى حضرموت وشهد قتال الأسود العنسي ثم انصرف إلى المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم . [الإصابة 5/508 ] .

ولم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلما ، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري. [ابن حجر في الإصابة 3/236 ، عن ابن سعد في الطبقات 1/358 ] .

أما حنان الأبوة المتمثل في الشفقة على الابن من النار فغلب صفة الحسد والكبر لدى والد ذلك الغلام الذي كان جاراً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرض ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له: (أسلم) . فنظر إلى أبيه ، وهو عنده ، فقال له: أطع أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - . فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) . [رواه الإمام البخاري ح/1290 ] .

وعكسه ماِ فعله والد كعب الأحبار ، حيث خشي أن يعلم ابنه عن النبي الخاتم فيتبعه ، فقد سأل العباس كعب الأحبار: ما منعك أن تسلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ؟

قال إن أبي كان كتب لي كتابا من التوراة ، فقال اعمل بهذا ، وختم على سائر كتبه ،وأخذ عليَّ بحق الوالد على الولد ألا أفض الختم عنها ، فلما رأيت ظهور الإسلام قلت لعل أبي غيب عنى علما، ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته ، فجئت الآن مسلما. [الإصابة 5/649. ] .

وهذه قصة طريفة - وهي شاهد على ما نتحدث عنه - ، حدثت للدكتور أحمد حجازي السقا مؤلف كتاب البشارة بنبي الإسلام ، حيث يروي: أنه التقى بـ (قمص) نصراني ، ظن أنه نصراني لأنه كان يقرأ في الكتاب المقدس ، فدار بينهما حوار حول الأحداث التي يشير إليها الإصحاح الثامن من سفر دانيال النبي - عليه السلام- ، وبعد نزولهم من القطار سأله حجازي: أمحمد نبي المسلمين لا يشير إليه الكتاب المقدس؟!

قال: يشير إليه في آيات كثيرة!! ثم سرد له كثيرا من تلك الآيات!!

ثم عرف أن اسمه (جرجس سلمون فيلمون) ، وكان وكيل الدير المحرق في القوصية بأسيوط . وهذا الموقف كان من أسباب كتابة حجازي لكتاب البشارة. [انظر البشارة بنبي الإسلام 1/45 ] .

تاسعا: إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مذكور في كتبهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بتأويل ذلك:أنا دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت) . [ رواه الإمام أحمد (4/128) ، والبزار والطبراني ، ومعنى منجدلٌ في طينته:أي مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد ، قاله الخطابي في الغريب 2/156 ] .

وهذا الإخبار منه - صلى الله عليه وسلم - هو من علامات نبوته ، من جهة إخباره بما عندهم في كتبهم من شأن أنبيائهم ، ولم يكذبوه يوما واحدا في شيء منها ، في الوقت الذي كانوا فيه أحرص ما يمكن على أن يظفروا منه بكذبة واحدة ، أو غلطة أو سهو ، فينادون بها عليه ، ويجدون بها السبيل إلى تنفير الناس عنه ، وهذا من أعظم الأدلة على صدقه . [ انظر هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن قيم الجوزية ص66 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت