وهذه الصفات تنطبق علي النبي - صلى الله عليه وسلم-، فلقد أخبرنا بأمور غيبية كثيرة، سواء عن الدنيا وما سيحدث فيها بعد وفاته… أو عن الآخرة وما بها من بعث وحساب وجنة ونار …
ويقول المسيح عن ذلك المعزي أيضا (يرشدكم إلى جميع الحق)
وهذا لا ينطبق إلا على رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم -، فهو الذي أرشد الناس إلى جميع الحق؛ فعرف الناس بربهم الواحد، وأزال الأوهام التي استعبدت عقول الناس من عبادة غير الله تارة، والإشراك به تارة أخرى، وعلم الإنسان غاية وجوده ودوره في الحياة، وبين العلاقة السليمة بين المخلوق وخالقه، وبين الناس بعضهم بعضًا، ووضح أصول التشريعات التي فرضها الله لعبيده ليصلح بها بنو البشر ويستقيم بها أمرهم في كل زمان ومكان.. ولذلك يخاطب الله نبيه في قرآنه قائلاً: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) النحل:89
والمسيح عليه السلام يقول (لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به) ، وهذا ينطبق على الرسول الكريم-صلى الله عليه وسلم- الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) النجم 3، 4.
من هو إذن ذلك المعزي الذي بشر به المسيح؟
وهل أتي نبي بعد المسيح إلا محمد - صلى الله عليه وسلم-؟!
فتعين أن يكون ذلك المعزي أو روح الحق تبشيرًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم-؛ إذ فيه تجتمع كل الأوصاف كما يتحقق فيه معني الأفضلية إذ هو خاتم النبيين الذي جاء بشريعة عامة خالدة.
ولكن ماذا يقول النصارى عن ذلك المعزي أو روح الحق؟
إنهم يقولون أن هذا المعزي ليس بشرًا إنما هو روح، روح تدخل في نفوس المؤمنين لتزيدهم إيمانًا وهي الروح القدس - أحد أقانيم الثالوث المقدس عندهم!!
وإذا كان المقصود روحًا وليس بشرًا؛ فلماذا اشترط المسيح إتيانها برحيله؟!
وهل هذه الروح أفضل عندهم من المسيح حتى يقول من الخير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي؟!
وهل هذه الروح تتكلم بما تسمع ولا تتكلم من نفسها؟!
وهل تخبر بأمور آتية؟!
وكيف تكون الروح القدس لا تتكلم من نفسها بل تحتاج إلى أن تسمع ما ستتكلم به؟!، أليست إلها كما يدعون؟!!، كيف يكون إلها من لا يتكلم من نفسه؟!!
إننا نحن المسلمين نزعم أن المسيح عليه السلام بقوله: (إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق هو يرشدكم إلى جميع الحق) إنما يقصد بذلك أنهم غير مهيئين لتلقى جميع الحق واحتمال التشريع الكامل، وأن النبي الذي سيبعث بعده سوف يقوم بتلك المهمة عندما يكون العقل البشرى أكثر نضجًا، والبشرية مهيأة لتلقى تعاليم الشريعة الجامعة.. فليخبرنا إذن الذين يقولون أن المعزى هو الروح القدس: ما هي علاقة الروح القدس التي تملأ نفوس المؤمنين بالأمور التي يريد أن يقولها المسيح ولكن منعه من قولها أنهم لا يستطيعون تحملها في ذلك الوقت؟!!!.
وهم يقولون أن الروح القدس قد جاءت وحلت في تلاميذ المسيح بعد عشرة أيام من رحيله، فهل كانت هذه مدة كافية حتى يتهيئوا للأمور التي كان يريد المسيح أن يخبرهم بها ولكن منعه من قولها عدم قدرتهم على احتمالها قبل عشرة أيام؟!!
كما أن الروح القدس التي يدعون أنها المقصودة بالمعزى كانت موجودة قبل أن يرحل المسيح تساعده وتؤيده؟ فلماذا يقول المسيح إذن إن لم أنطلق لا يأتيكم؟!!
هل هناك أدنى شك الآن أن الذي يتحدث عنه المسيح بشرا وليس روحا؟!
وإذا كان بشرًا فمن يكون غير محمد - صلى الله عليه وسلم- الذي جاء بعد عيسى عليه السلام ولم يأت بعده نبي غيره!!.
ولكن كيف وردت كلمة المعزي الموجودة في الطبعات الحديثة في الطبعات القديمة؟
لقد ورد بدلا منها كلمة الفارقليط، ولا أحد ينكر من القساوسة أن كلمة الفارقليط هي أصل كلمة المعزي، ولو فتحنا أي قاموس للكتاب المقدس لوجدنا كلمة الفارقليط هي الأصل؛ ففيم الخلاف إذن؟!
إن كلمة الفارقليط مشتقة من أحد كلمتين يونانيتين وهما بيركليتوس وباراكليتوس.
الكلمة الأولى معناها الذي يحمد أو محمد أو أحمد، والثانية معناها المعزي كما ورد في النص.
ويصر الرهبان من النصارى أن الباراكليتوس هي أصل الفارقليط، بينما يقول علماؤنا من المسلمين أن البيركليتوس هو أصل الكلمة وأنها قد حرفت إلى الباراكليتوس لكي لا تحمل النبوءة على النبي صلى الله عليه وسلم…
والواقع هو أن الفصل في هذا الخلاف غير ممكن، والقطع بأن أصل الكلمة هو الباراكليتوس أو البيركليتوس أمر محال!!، وذلك لأننا في هذه الحالة نحتاج لأن نسمع الكلمة كما قالها المسيح عليه السلام بنفسه!!.. فلننتظر إذن يوما سيفصل الله فيه بين المختلفين.. وهو يوم لا يختلف أحد الفريقين على مجيئه.. وهو في نظرنا قريب قريب مهما انتظرناه.. لأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول: (( ألا إن كل ما آت قريب، وإنما البعيد ما ليس بآت ) )!فانتظروا.وا.. إنا منتظرون!!