فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 3657

ب - ثاني هذه المواصفات: أنه جيل مجاهد لا تأخذه في الله لومة لائم: قال تعالى: ]يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمة [، وقال جل شأنه: ] إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن - إلى قوله - ذلك هو الفوز العظيم [ [التوبة: 111] .

والحديث عن الجهاد وأثره في إعزاز أمة الإسلام يطول، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الأحاديث الصحيحة أن الأمة سيصيبها الذل والصغار إن هي تركت هذه الشعيرة العظيمة وأنه لا يُرفع عنها لباس الهوان هذا إلا العودة الصادقة إلى ممارسة هذه الشعيرة وتربية الأجيال على معانيها وطلب معاليها.

يقول سيد رحمه الله معلقًا على آيتي 38 و 39 من سورة التوبة:"والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده؛ فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذلة التي تصيب القاعدين واستغلالها للمعادين، وهم كذلك يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون من الكفاح والجهاد، ويقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرام لو قدموا لها الغداء، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء"اهـ.

وقد مثل جيل الصحابة رضوان الله عليهم النموذج الفذ في تطبيق متطلبات الجهاد والشوق إلى ما عند الله، وهذا الأمر له صلة بما قبله، وذلك لأن هذا الجيل أحب الله وأحب لقاءه، فكان يبحث عن أيسر السبل التي توصله إلى محبوبة، فوجد في حب الشهادة والاستشهاد وامتطاء صهوة جوادها الوسيلة المثلى لتحقيق هذا المبتغى.

فكانت تحيتهم هذه نقيض ما قاله من كانوا مع موسى عليه السلام: ]اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون[، بل قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".

ولا يتسع المقام إلى العيش مع صور من تلك البطولات فعلى المرء أن يطلبها من مظانها وأن يستلذ بالاطلاع عليها ويجعل ذلك جزءًا من برنامجه التربوي حتى تعلو همته، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلمونهم السورة من القرآن.

وقبل أن نترك هذه الخصلة لابد أن نشير إلى أن للجهاد أحكامًا وضوابطًا ليس هذا مجال التفصيل فيها، كما أن له أخلاقًا تبين المجاهد الصادق من غيره. فمن أخلاق المجاهدين الرحمة والشفقة بالناس والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق وليس من أخلاقهم التعالى والتكبر واحتقار جهد الآخرين والنظر إليهم بعين الازدراء والسخرية.

فقد كان الصحابة أكبر المجاهدين وأفضل المضحين ولكنهم مع ذلك كانوا ] رحماء بينهم [ و ] أشد على الكفار [، ] أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين[، أما الذين يزايدون ببعض بطولاتهم ويتشدقون بذلك، فعليهم أن يراجعوا مسيرتهم ويعرضوها على نقاء السيرة التي تركها رجال خير القرون. فهؤلاء الأفذاذ على ما بذلوه من تضحية وجهاد وعلم وعمل كانوا دائمًا يخافون من أن تحبط أعمالهم وكانوا دائمًا يحتقرون تلك الأعمال مقابل ما أعده الله لهم من جنات النعيم.

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في عداد المنافقين الذين أسر له بهم؟ وهذا التابعي بن أبي مليكة يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخشى النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أن إيمانه على مستوى إيمان ميكائيل وجبرائيل، وغير ذلك من الآثار كثير، التي تبين تواضع القوم وانكسار قلوبهم وإخباتها لربها، على عكس كثير ممن رفعوا شعار هذه الفريضة في هذا الزمان أو تصدوا لأعمال دعوية أخرى تتطلب الشجاعة والإقدام فتباهوا على الناس بها وازدروا أعمال غيرهم الصائبة.

وذكر هذه المسألة والتركيز عليها من شأنه أن يجعلنا دائمًا - مهما قدسنا من أعمال وتضحيات - في مراجعة دائمة لسيرنا ومسيرتنا وذلك حتى نتدارك عوامل الخلل والنقص والمواطن التي أتى أعداؤنا إلينا منها، ومن ذلك نذكر القضايا التالية:

1 -التشرذم، فلا يعقل في عصر تكالبت علينا فيه الأمم قاطبة والأعداء بجميع أصنافهم أن ينفرد بأمر المواجهة فئة من الناس غير واضعة في حسابها هذه المعادلة، مع ما أوجبه الله سبحانه وتعالى من ضرورة تراص الصفوف والتصاقها ببعضها في ساحات الوغى ]إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص[.

2 -معرفة أحكام الجهاد ومعالمه حتى نسير في كل خطوة نخطوها على بينة من أمرنا، فالله تعبدنا بما شرع لنا هو لا بما شرعت لنا أنفسنا وأهواؤها.

3 -معرفة الراية التي نقاتل تحتها، وهي الراية التي تكون كلمة الله تحت لوائها هي العليا وليس القتال من أجل القومية أو الحزب أو الجماعة أو الحمية والشجاعة وإنما من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت