ج - ثالث هذه الصفات: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين: قال تعالى: ]محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [، وقال: ] واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [، ] ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك[، نعم هكذا كان حال الرعيل الأول، وذلك كان حال معلمهم معهم، وهكذا يجب أن يكون حال من يريد اقتفاء أثرهم وتحقيق الثمرة التي حققوها، من خفض الجناح ولين الجانب عندما يتعلق الأمر بالمؤمنين وبالشدة والعزة والإباء عندما يتعلق الأمر بأعداء الله المحاربين.
يقول ابن عاشور عند آية سورة المائدة:"فالمراد هنا بالذل بمعنى لين الجانب وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع، ولذلك علق به قوله ]على المؤمنين [... والأعز جمع العزيز، فهو المتصف بالعزة وهو القوة والاستقلال... وفي [أي الجمع بين صفتي الذلة والعزة] إيماء إلى أن صفاتهم تسيرها آراؤهم الحصيفة [المنقادة للشرع] فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلا عن بصيرة، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون لينًا في كل حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الذي يكون في كل حال بما يلائم ذلك الحال، قال [الشاعر] :"
حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب"اهـ."
وهذا الذي ذكره الله في هذا الموضع من ضرورة وإيجاب التصرف في كل حال ومع كل قوم بما يناسب المقام شبيه بقوله سبحانه في سورة هود: ]فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا[، وهي الآية التي شيبت النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك المفسرون.
قال الألوسي عند نفس الآية [آية سورة المائدة] :"]أذلة على المؤمنين[ عاطفين عليهم متذللين لهم... وكان الظاهر أن يقال: أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له، ولا يقال: تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدي بعلى لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها، وقل: للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ولعل المراد بذلك أنه استعيرت (على) لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة..."اهـ.
قال الشاعر:
ملأ السنابل تنحني لخشوع والفارغات رؤوسهن شوامخ
إن الإيمان إذا سكن في القلب واستجابت لذلك الجوارح تحول المؤمن إلى شجرة طيبة ريحها وثمرها يسقي من ماء غير آسن وأصلها ثابت وفرعها في السماء.
يقول صاحب زبدة التفسير:"أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان، من الازدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ، ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله"اهـ.
قال ابن كثير رحمه الله عند نفس الآية [آية سورة المائدة] :"وهذه صفات المؤمنين الكُهَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه متعززًا على عدوه كقوله تعالى: ]أشداء على الكفار رحماء بينهم[ ومن علامة حب الله تعالى للمؤمنين أن يكون لين الجانب متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متسربلًا بالعزة حيال الكافرين والمنافقين"اهـ.
وهذا ما تضافرت نصوص الوحي لتثبيته في قلوب الناس وليكون من يريد تحقيق أمر التمكين على يديه مثالًا يحتذى في تطبيق هذه الأخلاق الرائعة والعمل بها، ولقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو كان غليظ القلب شديدًا مع أصحابه لانفضوا من حوله: ] ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك[.
الفظ: الغليظ السيء الخلق.
انفضوا: تفرقوا.
ونذكر هنا بعضًا من النصوص وأقوال أهل العلم التي تحث المؤمنين على هذه الأخلاق:
1 -بعض النصوص: قال الله تعالى: ]وعباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هونًا [ [الفرقان: 61] ، أي سكينة ووقارًا متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين، قال الحسن: علماء حلماء، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.
و"الهون"بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهون بالضم: الهوان، فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان، والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران.
وقال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [ [المائدة: 54] .
لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة"على"تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول، كما في الحديث:"المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل" [10] [10] وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.