فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 3657

وقوله: ]أعزة على الكافرين [ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة. قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى ] أشداء على الكفار رحماء بينهم [ [الفتح: 29] .

وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" [11] [11] .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" [12] [12] .

وفي حديث احتجاج الجنة والنار:"أن النار قالت: مالي لا يدخلني غلا الجبارون، والمتكبرون؟ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم"وهو في الصحيح [13] [13] .

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول الله عز وجل: العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته" [14] [14] .

2 -هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم [15] [15] .

وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت [16] [16] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث [17] [17] .

وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله [18] [18] ولم يكن ينتقم لنفسه قط [19] [19] .

وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله [20] [20] .

ويعلف البعير ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشى مع الأرملة واليتيم في حاجتهما [21] [21] ، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، ولو إلى أيسر شيء [22] [22] .

وكان صلى الله عليه وسلم هي المؤنة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بسامًا، متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب، رحيمًا بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.

وقال صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هين لين سهل"رواه الترمذي، وقال حديث حسن [23] [23] .

وقال:"لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت"رواه البخاري [24] [24] .

3 -حقيقة الذل والتواضع:

سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله.

وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح، ولين الجانب.

وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان، والعز في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار.

وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع، والعز في التقوى، والحرية في القناعة.

وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت:"يا أمر المؤمنين؛ لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها".

وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طَرِّقوا للأمير.

ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم، لأنهم لا يجدون شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممنه.

ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالًا رضي الله عنه بسواده، ثم ندم، فألقى بنفسه، فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.

وروح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق. بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقة، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بضده، فقال:"الكبر بطر الحق، وغمص الناس" [25] [25] . فبطر الحق: رده وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل، و"غمص الناس"احتقارهم، وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم، وجحدها، واستهان بها.

ولما كان لصاحب الحق مقالة وصولة: كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة، فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها، فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها.

وجمال التواضع إنما يكون بأن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدًا من المسلمين أخًا، وأن لا ترد على عدوك حقًا، وأن تقبل من المعتذر معاذيره.

فإذا كان الله قد رضي أخاك المسلم عبدًا، أفلا ترضى أنت به أخًا؟ فعدم رضاك به أخًا: عين الكبر، وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله، لا يرضى بأخوته، والله راض بعبوديته؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت