فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 3657

ولا تصح لك درجة"التواضع"حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك، وإذا لم ترد عليه حقه، فكيف تمنعه حقًا له قبلك؟ بل حقيقة"التواضع"أنه إذا جاءك قبلته منه، وإذا كان له عليك حق أديته إليه، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه، ولا من إيتائه إياه.

وكذلك من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته فإن"التواضع"يوجب عليك قبول معذرته، حقًا كانت أو باطلًا، وتكل سريرته إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو، فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه، فقبل أعذارهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى [26] [26] .

وعلامة الكبر والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور ولا مدفع له، ونحو ذلك.

وتمام التواضع: أن لا يرى العابد لنفسه حقًا على الله لأجل عمله، فإنه في عبودية وفقر محض، وذل وانكسار، فمتى رأى لنفسه على الله حقًا: فسدت عبوديته، وصارت معلولة وخيف منها المقت. ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه، من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه، لا باستحقاق العبيد، وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم.

هذه جملة من المعاني التي تبين حقيقة خفض الجانب والوضع الذي يجب أن يكون عليه المؤمن حيال إخوانه، ونقيض ذلك ينسحب على معاملة غير المعلم على أن لا تتعدى حدود الشرع فنفرق بين المحارب والمعاهد المسالم فنلتزم في كل حالة حسب ما يطلب الشارع سبحانه ولا خيار لنا في ذلك، وهذا الموضوع يطول التفصيل فيه فاعقل هذا الإجمال واعمل به وإذا أردت التفصيل فاطلبه من مظانه.

وعلينا بعد هذا الإيضاح والتبيان أن نعرض حالنا كأفراد وجماعات على هذا الميزان الدقيق: فهل هو موافق أم مخالف لتلك الآثار والمعاني الجميلة؟.

د - رابع هذه الصفات: صابر وثابت على المبدأ مهما ادلهمت الخطوب: قال عز من قائل: ]واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل [، وقال: ] وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [ [الأعراف: 137] .

اقتضت حكمة الله جل في علاه أن يكون هناك تدافع بين الناس وذلك لوجود الخير والشر والحق والباطل، ومن خلال هذه المدافعة تتمايز الصفوف، قال جل في علاه: ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين [، ] ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [، وهذه الآية الأخيرة جاءت بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أنه يدافع عن الذين آمنوا وأنه أذن لهم القتال لهم قال في محكم كتابه: ] إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير [ لماذا قيل لهم هذا ونزل لهم هذا التشريع؟ لأنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق: ] الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله[.

فبين سياق هذه الآيات المحكمات وترتيبها أن هناك فريق مظلوم يجب عليه أن يدفع هذا الظلم الذي حصل له وهو فريق الحق، وأن هناك فريق معتد ظالم متكبر وهو فريق الباطل يجب أن يردع وأن يوقف عند حده.

إن هذا الوضع وهذه السنة بالنسبة للمؤمنين تتطلب منهم عدة أكبر من عدة عدوهم، فكان من الله أن أرشدهم إلى ذلك قائلًا: ]يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون[، المصابرة: وهي مقابلة صبر الآخرين والتغلب عليه. وحديثنا عن الصبر يتناول الجوانب الآتية:

1 -الصبر في القرآن:

قال الإمام أحمد رحمه الله: الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا.

وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان ، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.

وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا.

الأول: الأمر به: نحو قوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة [ [البقرة: 153] ، وقوله: ]واستعينوا بالصبر والصلاة [ [البقرة: 45] ، وقوله: ]اصبروا وصابروا [ [آل عمران: 200] ، وقوله: ]واصبر وما صبرك إلا بالله [ [النحل: 127] .

الثاني: النهي عن ضده كقوله: ]فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل به [ [الأحقاف: 35] ، وقوله: ]فلا تولوهم الأدبار [ [الأنفال: 15] ، فإن تولية الأدبار ترك للصبر والمصابرة، وقوله: ]ولا تبطلوا أعمالكم [ [محمد: 33] ، فإن ابطالها ترك الصبر على إتمامها، وقوله: ]ولا تهنوا ولا تحزنوا [ [آل عمران: 139] ، فإن الوهن من عدم الصبر.

الثالث: الثناء على أهله، كقوله تعالى: ]الصابرين والصادقين [ [آل عمران: 17] ، وقوله: ]والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [ [البقرة: 177] ، وهو كير في القرآن.

الرابع: إيجابه سبحانه محبته لهم، كقوله: ]والله يحب الصابرين [ [البقرة: 146] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت