ومن الأحداث المهمة في ذلك العصر صدور ترجمة للقرآن باللغة الإنجليزية، وقد تولَّى هذه الترجمة العالم الإنجليزي"جورج سيل"في عام 1734م، وهذه الطبعة سرعان ما تُرجمت ونُشرت باللغات الألمانية والفرنسية والهولندية، فكانت المصدر المهم المعوَّل عليه في أوربا لمدة تناهز القرن، لمعرفة القضايا التي عالجها القرآن، وقد نوه فيها"سيل"- تمشيًا مع روح عصر النهضة- بكثير من فضائل الدين الإسلامي، وأشار إلى عظمه نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم.
* وفي 1720 نشر"هنري دي بولونفيرس"كتابه"سيرة حياة محمد"وفيه دفاع عن سيرة النبي، ورد على المطاعن والانتقاصات السابقة من شخصيته، صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن محمدًا مبدع ديني عقلي يستحق التقدير حتى في الغرب.
وكان لكتاب"بولونفيرس"الأثر البالغ في تفكير"فولتير"، وتغيير نظرته للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ألف فولتير كتابًا بعنوان"التعصب أو النبي محمد"وصف فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنه منافق وخَدَّاع ومحب للملذات الجسدية ومستبد، وقد كان فولتير بهذا النعت غير المنصف والطعن في شخصية محمد يستهدف دحض الأفكار الدينية المتعصبة بصورة عامة في فترة سادت فيها حملة عامة واسعة لدحض الأفكار الدينية المسيحية؛ تجاوبًا مع مبادئ عصر النهضة والتنوير العقلي.
لكن فولتير بعد أن طالع كتاب"سيرة حياة محمد"ألف كتابه (بحث في العادات) سنة 1765 مدح به الإسلام وأشاد بنبي الإسلام محمد وبكتابه القرآن، وقد نعت محمدًا بأنه مع"كونفوشيوس"و"زرادشت"من أعظم مشرِّعي العالم.
* الشاعر الألماني الكبير"جوهان فولفجاج فون جوته"أحد رموز الثقافة الغربية، شاعر وروائي عملاق يعترف بقَدْرِه الجميع هنا وهناك، كان شديد الإعجاب بالإسلام ، وقد استوحي العديد من آيات القرآن الكريم، ومن شعر المعلقات في أشعاره قرأ جوته"ألف ليلة وليلة"في طفولته ، وفي شبابه ترجم عن الفرنسية كتاب"محمد"لفولتير ، وكان يحفظ أشعار الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي .
كان جوته شديد التدين وكان منذ طفولته يشارك في خدمة القداس الكنائسي ، ويقرأ يوميًّا الكتاب المقدس ، وقد اعترف بأنه مدين له بثقافته الروحية والعقلية ، ولم يَحُل ذلك دون أن يعرب عن إعجابه الشديد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وبالإسلام، وكان يزمع تأليف مسرحية عن النبي محمد (صلي الله عليه وسلم ) .
ويا ليت الذين يتهجمون اليوم على الإسلام وعقيدته، ورمزه الأعلى محمد، يقرؤون شعر جوته الذي حاول أن يعبر الجسر بين الشرق والغرب ، وأن يقيم توازنًا روحيًّا بينهما ، وقد أخرج ديوان شعر اسماه"الديوان الشرقي للمؤلف الغربي"يقول في إحدى قصائده، التي ترجمها د.عبد الرحمن بدوي:
من حماقة الإنسان في دنياه أن يتعصب كل منا لما يراه
وإذا الإسلام كان معناه أن لله التسليم
فإننا جميعا ، نحيا ونموت مسلمين .
* وقد أشاد"هيردر ولايبنيتز"في كتابه"أفكار حول فلسفة تاريخ الإنسانية"، بشخصية النبي محمد، وحماسه العالي لفكرة"وحدانية الله"، وحكمة عبادته، بواسطة الطهارة والتأمل والعمل الصالح.
وقد رد هيردر على التقاليد اليهودية والمسيحية البالية، وأشاد بسيرة محمد والثقافة الإسلامية، وأطرى تعاليم الدين الإسلامي التي حرمت الخمر والمأكولات النجسة والربا والقمار والميسر، وبيّن أن تأثيرات العبادة اليومية وأفكار الرحمة، والطاعة لإرادة الله التي نص عليها القرآن تمنح المسلمين اطمئنانًا نفسيًا.
*"أدريانس ريلند"المستشرق الهولندي في القرن الثامن عشر، من أهم مؤلفاته كتاب:"في الديانة المحمدية"باللغة اللاتينية، وفيه عَرْض أمين للعقيدة الإسلامية كما يفهمها المسلمون، وتصحيح للأفكار المغلوطة السائدة في أوروبا، في العصور الوسطى، عن الإسلام والنبي والقرآن، وتتميز آراؤه بإنصافها للإسلام وكتاباته بالموضوعية.
*"ميشيل جان دي خويه"المستشرق الهولندي كتب بحثًا عن"رسالة محمد"دافع فيه عن رسالة النبي ضد ما كتبه في هذا الموضوع"باروتس".
*ألويس أشبرنجر: مستشرق نمساوي الأصل، اشتهر بكتابه عن حياة النبي محمد.. وقد حضّر له بسفره إلى الدول العربية فأصدر القسم الأول بعنوان:"حياة محمد، من المصادر الأصلية"عام 1851، ثم أصدر كتاب"حياة محمد وتعاليمه"في ثلاثة أجزاء باللغة الألمانية.
ومن الكتابات التي تميزت أيضًا بالإنصاف والموضوعية في هذا المقام:
* ما كتبه"مايكل هارت"عالم الفلك الشهير في الرياضيات وصاحب كتاب"العظماء مائة"حيث قال في مقدمة كتابه:"إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي."