فهرس الكتاب

الصفحة 1708 من 3657

وكان ذلك أول مرحلة من مراحل العلمانية وتسمى بالعلمانية الجزئية قبل الوصول إلى العلمانية الشاملة التي بدورها مرت بثلاث مراحل وهي مرحلة التحديث ثم الحداثة ثم ما بعد الحداثة.

رجوعا إلى ويل ديورانت في قصة الحضارة في حديثه عن الحضارة الإسلامية: ص4498-4499

ولهذا لم يدع الإسلام إلى مقابلة الإساءة بالإحسان ."فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (سورة البقرة 194) "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" (سورة الشورى 41) ، تلك أخلاق تليق بالرجال، شبيهة بما جاء في العهد القديم، فهي تؤكد فضائل الرجولة كما تؤكد المسيحية فضائل الأنوثة. وليس في التاريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء، ولم يفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح فيها الإسلام:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا" (سورة آل عمران 200) هكذا كان يقول أيضاً زرادشت الذي نادى بمبادئ نتشة قبل وجود نتشة بزمن طويل.

والمسلمون يعظمون القرآن إلى درجة تقرب من العبادة، وقد كتبوا المصاحف وزينوها وبذلوا في سبيل ذلك كل ما يستطيعون من عناية مدفوعين إليها بحبهم له، وهو الكتاب الذي يبدأ منه أطفال المسلمين بتعلم القراءة، وهو المحور الذي يدور عليه تعليمهم والذروة التي ينتهي بها هذا التعليم. وقد ظل أربعة عشر قرناً من الزمان محفوظاً في ذاكرتهم، يستثير خيالهم، ويشكل أخلاقهم، ويشحذ قرائح مئات الملايين من الرجال. والقرآن يبعث في النفوس الساذجة _الأفضل أن يقال السليمة- الفطرة ولقد آمن بالقرآن كثير من رجال العلم والفكر في كل عصر من العصور الماضية وفي هذا العصر الذي نعيش فيه؛ كما آمن به من لا يحصون كثرة من الناس على اختلاف حظوظهم من العقل والفكر؛ وما ذلك إلا لأنه جاء بالعقيدة الحقة الواضحة التي يتقبلها الجميع. فهي أسهل العقائد، وأقلها غموضا، وأبعدها عن التقيد بالمراسم والطقوس، وأكثرها تحرراً من الوثنية والكهنوتية. وقد كان له أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، وحضهم على إتباع القواعد الصحية، وحرر عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام، ومن الظلم والقسوة، وحسن أحوال الأرقاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، وأوجد بين المسلمين (إذا استثنينا ما كان يقترفه بعض الخلفاء المتأخرين) درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض. ولقد علم الإسلام الناس أن يواجهوا صعاب الحياة، ويتحملوا قيودها، بلا شكوى ولا ملل، وبعثهم في الوقت نفسه إلى التوسع توسعاً كان أعجب ما شهده التاريخ كله. وقد عرَّف الدين وحدده تحديداً لا يجد المسيحي ولا اليهودي الصحيح العقيدة ما يمنعه من قبوله.

"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبهِ ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساءِ والضراءِ وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" (سورة البقرة الآية 177) .اهـ

قال مصطفى غفر الله له:

لا أوافق الدكتور عبد المعطي الدالاتي في كتابه"ربحت محمد ولم أخسر المسيح"ص 91 بأن وضع ويل ديورانت من المتعصبين، بل كان موضوعيا، فلا ينبغي أن نطالب غير المسلم بأن يمدح أو يعترف بفضل الإسلام وأهله كما لو كان مسلما، وأظن أنه قد أنصف الإسلام وأهله إلى حد بعيد مقارنة مع المستشرقين المتعصبين كبرنارد لويس وزويمر ويوسف شاخت وجولد زيهر وأمثالهم، وما نقلناه من كتابه لهو خير دليل على ما أقول.

والله تعالى أعلم

قال درابر drabber الأستاذ في جامعة نيويورك، في كتابه ( المنازعة بين العلم والدين) :

( إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين، ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم الكثير من الأعمال الجسام، ورقوهم إلى المناصب العالية في الدولة، حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت إشراف حنا مسنيه( يوحنا بن ماسويه) ... وكانت إدارة المدارس مفوضة إلى النسطوريين تارة، وإلى اليهود تارة أخرى، ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم، ولا إلى الدين الذي ولد عليه، بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة).

نقلا عن الإسلام والنصرانية للشيخ محمد عبده ص 15.

وقال غوستاف لوبون في كتابه ( حضارة العرب) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت