فهرس الكتاب

الصفحة 1738 من 3657

".. لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير [صلى الله عليه وسلم] ابن القفار والفوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وبرًا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين ؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ ترى محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يرض أن يلتفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردًا بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هاآنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية. وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء.." (6) .

"إني لأحب محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لبراءة طبعه من الرأي والتصنّع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلاً مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه ولم يكن متكبرًا ولكنه لم يكن ذليلاً، فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها.. وكان رجلاً ماضي العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد.." (7) .

(1) توماس كارلايل ( 1795 - 1881 ) Th. Carlyle

الكاتب الإنجليزي المعروف.

من آثاره: (الأبطال) (1940) ، وقد عقد فيه فصلاً رائعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، (الثورة الفرنسية) .. إلخ.

(2) الأبطال ، ص 43 .

(3) نفسه ، ص 5 .

(4) نفسه ، ص 50 - 51 .

(5) نفسه ، ص 51 .

(6) ... نفسه ، ص 51 - 52 .

(7) ... نفسه ، ص 64 .

كاهن (1)

"اصطبغت شخصية محمد [صلى الله عليه وسلم] بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أي مؤسس آخر من مؤسسي الديانات الكبرى" (2) .

"يبدو للمؤرخ المنصف أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان في عداد الشخصيات النبيلة السامية التي سعت في كثير من الحماس والإخلاص إلى النهوض بالبيئة التي عاش فيها أخلاقيًا وفكريًا، كما استطاع في الوقت نفسه أن يكيف رسالته حسب طباع الناس وتقاليدهم بمزيد من الفهم والتنظيم بحيث كفل البقاء والخلود للرسالة التي بشر بها. وحتم علينا أن نلقى محمدًا [صلى الله عليه وسلم] بعواطف الإجلال والاحترام لما تحلى به من سمو الإلهام ومن قدرة على تذليل العقبات الإنسانية عامة والتغلب على مصاعبه الشخصية خاصة. وربما أثارت فينا بعض جوانب حياته شيئًا من الارتباك تبعًا لعقليتنا المعاصرة. فقد أكدت المهاترات على شهوات الرسول [صلى الله عليه وسلم] الدنيوية وألمحت إلى زوجاته التسع اللائي اتخذهن بعد وفاة خديجة [رضي الله عنه] . لكن الثابت أن معظم هذه الصلات الزوجية قد طبعت بطابع سياسي، وأنها استهدفت الحصول على ولاء بعض الأشراف وبعض الأفخاذ. ثم إن العقلية العربية تقرّ الإنسان إذا استخدم طبيعته على نحو ما خلقها الله" (3) .

".. الحق أننا نتجاوز النقد العلمي الصحيح إذا نحن أنكرنا على كل حديث صحته أو قدمه. ولقد باشر العلماء بمثل هذا التمحيص منذ عهد بعيد فوجدوا أن التحريف أو التلفيق قد لا يعمّان على نسق واحد واستندوا في ذلك إلى بعض الأحاديث التي يمكن اعتبارها سابقة أو حجة يعتد بها. بمعنى أن الموقف النقدي مفروض على الباحث المنصف. وفقهاء المسلمين أنفسهم هم قدوة لنا في هذا المضمار لأنهم - على طريقتهم - قد التزموا بذلك الموقف منذ العصر الوسيط" (4) .

(1) كلود كاهن Cl. Cahen

ولد عام 1909، وتخرج باللغات الشرقية من السوربون ومدرسة اللغات الشرقية ومدرسة المعلمين العليا، وعين محاضرًا في مدرسة اللغات الشرقية في باريس (1938) ، وأستاذًا لتاريخ الإسلام في كلية الآداب بجامعة ستراسبورغ (1945) ، وفي جامعة باريس.

من آثاره: عدد كبير من الدراسات والأبحاث في المجلات الشهيرة، وحقق العديد من النصوص التاريخية المهمة، كما أنجز عددًا من المؤلفات عن الحروب الصليبية.

(2) تاريخ العرب والشعوب الإسلامية ، 1 / 14 .

(3) نفسه ، 1 / 18 .

(4) نفسه ، 1 / 95 .

هاملتون كب

".. اقتضى الأمر نشوء علم جديد غايته جمع الحديث ونقده وتصنيفه وتنسيقه والحصول في النهاية - بقدر الإمكان - على مجموعة متفق عليها يتقبلها الجميع. وقد استأثرت هذه المهمة بالكثير من طاقات الفقهاء والعلماء في القرن الثالث، ولكن القائمين عليها أحرزوا نجاحًا حتى أصبح حديث الرسول [صلى الله عليه وسلم] يعتبر مرجعًا ثانيًا معتمدًا للفقه والعقيدة" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت