".. يكاد يكون من المؤكد أن الآراء التي تعبر عنها الأحاديث [التي تم جمعها في القرن الثالث] تمثل تعاليم القرآن ومبادئه الخلقية تمثيلاً صادقًا" (2) .
"إن بدايات التاريخ العلمي بالعربية تقترن بدراسة سيرة الرسول [صلى الله عليه وسلم] ودراسة أعماله. وعليه فإننا نجد مصدر هذه الدراسة في جمع الحديث النبوي وبخاصة الأحاديث المتعلقة بمغازي الرسول [صلى الله عليه وسلم] . وكان موطن هذه الدراسة هو المدنية.. ويفسر لنا ارتباط المغازي بالحديث، هذا الارتباط الذي ترك طابعًا لا يمحى في المنهج التاريخي باستخدام هذا المنهج للإسناد، ما طرأ من تغير هائل ظهر منذ هذه اللحظة في طبيعة الأخبار التاريخية عند العرب، ودقتها المؤسسة على النقد. ويمكننا أن نشعر لأول مرة بأننا نستند إلى أساس تاريخي قويم حتى وإن اعترفنا بوجود بعض العناصر المشكوك فيها في أخبار الفترتين، المدنية والمكية، من حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] " (3) .
"ومهما نقل في قوة النزعة الإسلامية نحو محمد [صلى الله عليه وسلم] وفي آثارها فإنا لا نوصف بالغلو. فقد كان إجلال الرسول [صلى الله عليه وسلم] شعورًا طبيعيًا محتومًا في عصره وفيما بعده، غير أن ما نومئ إليه شيء يتجاوز الإجلال. فإن العلاقات الشخصية من الإعجاب والحب اللذين بعثهما في نفوس صحابته ظل صداها يتردد خلال القرآن، والفضل في ذلك يعود إلى الوسائل التي أقرّتها الأمة لتستثير بهما مجددين في كل جيل" (4) .
".. لولا الحديث لأصبح [لمحمد صلى الله عليه وسلم] في أقل تقدير صورة معممة - إن لم نقل بعيدة - في أصولها التاريخية والدينية. أما الحديث فقد صور وجوده الإنساني في مجموعة وفيرة من التفصيلات الحية المحسوسة، وبذلك قدم للمسلمين حين ربط بين المسلمين وبين نبيهم بنفسه الروابط الذاتية الوثيقة التي كانت تصله بأصحابه الأولين، وهي روابط نمت على مر القرون وكانت أقوى من أن تصاب بالضعف. ولم يصبح شخص محمد [صلى الله عليه وسلم] أبدًا ذا صبغة مرسومة مقررة، ويكاد لا يكون من الغلو أن نقول إن حرارة ذلك الشعور الشخصي نحو الرسول الحبيب [صلى الله عليه وسلم] كانت أبدًا أقوى عنصر حيوي في دين الجماهير الإسلامية أو كانت كذلك بين أهل السنة، على الأقل" (5) .
".. ما تزال الاحتفالات العائلية تختم بأدعية وأناشيد في تمجيد الرسول [صلى الله عليه وسلم] وكل الأمة تراعيها وتشهدها بحماسة في ذلك اليوم المجيد، يوم مولد النبي [صلى الله عليه وسلم] في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. هنالك ترى المجددين والمقلدين والصوفية والسلفية والعلماء وأفراد الجمهور يلتقون جميعًا معًا على بقعة واحدة، وقد يكون بين نزعاتهم العقلية تنوع واسع متباين، ولكنهم جميعًا وحدة متآلفة في إخلاصهم وحبهم محمد [صلى الله عليه وسلم] " (6) .
(1) ... دراسات في حضارة الإسلام ، ص 20 .
(2) ... نفسه ، ص 21 .
(3) ... نفسه ، ص 147 .
(4) ... نفسه ، ص 257 .
(5) ... نفسه ، ص 257 - 258 .
(6) ... نفسه ، ص 259 .
ايقلين كوبولد
".. هذه هي مدينة الرسول [صلى الله عليه وسلم] .. تعيد إلى نفسي ذكرى جهوده في سبيل لا إله إلا الله، وتلقي في روعي صبره على المكاره واحتماله للأذى في سبيل الوحدانية الإلهية" (1) .
"كان العرب قبل محمد [صلى الله عليه وسلم] أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد [صلى الله عليه وسلم] بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالاً وآجالاً.." (2) .
".. لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر [الرسول صلى الله عليه وسلم] روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاء وخوفًا وأملاً، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية" (3) .
"لقد استطاع النبي [صلى الله عليه وسلم] القيام بالمعجزات والعجائب، لَمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية.. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور" (4) .
"مع أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان سيد الجزيرة العربية.. فإنه لم يفكر في الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيًا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه" (5) .
(1) ... البحث عن الله ، ص 39 - 40 .
(2) ... نفسه ، ص 51 .
(3) ... نفسه ، ص 52 .