اعلم أخي القارئ أنه قد كان في الأنبياء عليهم السلام من له المعجزة والنبوة معاً مثل موسى والمسيح عليهما السلام وقد ذهبت معجزاتهما بذهابهما، فلم يبق في أيدي الناس منها إلا ذكرها، ومنهم من كانت له نبوة ولم تكن له معجزة مثل زكريا وناحوم وميخا وملاخي وغيرهم، وها هو يوحنا المعمدان يقول عنه متى: (( يوحنا عند الجميع نبي ) )متى 21: 26، و في موضع آخر (( أفضل من نبي ) )متى 11: 9 ورغم ذلك لم يأت بآية واحدة، يقول يوحنا: (( فأتى إليه كثيرون و قالوا أن يوحنا لم يفعل آية واحدة ) )يوحنا 10: 41. وقد أثبت كتاب النصارى المقدس نبوة جماعة من النساء مثل: مريم أخت موسى [خروج 15 عدد 20] وحنة بنت فنوئيل [ لوقا 2 عدد 36 ] وخلده [ 2 ملوك 22 عدد 14 ] ودبوره [ القضاة 4 عدد 4 ] وأستير، وغيرهن ولم يكن لواحدة منهن كتاب ولا معجزة إلا أنهن معدودات في زمرة الأنبياء عندهم.
وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد جمع الله له النبوة والمعجزة معاً وقد كانت معجزة القرآن الكريم المعجزة العقلية البيانية التي جاء بها الرسول الأمي هي من أعظم معجزاته وقد تميز بها على سائر الأنبياء ببقائها حتى قيام الساعة، أما معجزات من سبقه من الأنبياء فقد كانت معجزات حسية انتهت بانتهاء وقتها، فلو أنك سألت أي نصراني اليوم أرني معجزة من معجزات المسيح فلن يجيبك.
وبجانب معجزة القرآن الكريم - أخي القارئ - هناك الكثير من المعجزات والآيات الحسية قد قام بصنعها الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرتها الأحاديث الصحيحة وقد أشار إليها القرآن الكريم بكل وضوح كما في قوله تعالى في سورة الصافات: { وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا أن هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ }
ففي هذه الآية الكريمة نجد أن التعبير بـ (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً) يدل بوضوح على أنهم شاهدوا معجزة أو معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي أجمع عليه كافة علماء المسلمين المعتبرين في العالم ودلت عليه الروايات المتواترة أيضاً. ومن المسّلم به أن الآيات القرآنية سمعية وليست بصرية، وعليه لا يمكن أن يكون قوله تعالى: (( وَإِذَا رَأَوْا آيَةً ) )عائد للآيات القرآنية، بالإضافة إلى ذلك فأن التعبير بـ: (( السحر المبين ) )يتناسب تماما مع المعجزات وخوارق العادات، والواقع أن اتهامهم نبي الإسلام بالسحر، وترويجهم لهذه المسالة بشكل واسع يدل على أنهم رأوا منه خوارق عادات ومعجزات،
أما ما ذهب إليه البعض أن هناك آيات في القرآن الكريم تدل على أن نبي الإسلام لم يمتلك معجزة سوى القرآن الكريم واستدلالهم بالآية 59 من سورة الإسراء التي تقول: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} ، وكذلك بالآية 90 إلى 93 من سورة الإسراء والتي جاء فيها: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله و الملائكة قبيلاً * أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} .
فالجواب عن ذلك هو:أن هؤلاء المشركين لم يكن يقترحون ويسألون عن تلك المعجزات اِسْتِرْشَادًا وطلباً للحق وإنما كانوا يَطْلُبُونَ ويقترحون ذَلِكَ كُفْرًا وَعِنَادًا فعند طلب أمثال هذه المعجزات مع الإعراض عن المعجزة الحقيقية لنبينا صلى الله عليه وسلم والمعجزات الأخرى، عند ذلك لم يستجيب الله عز وجل لطلب المشركين، إذ أن طلبهم ليس لعدم قيام الحجة الكافية بل هو نوع من التعنت و التعجيز، و قد كانوا كلما رأوا معجزة يقولون سحر مستمر أو ساحر مبين كما ذكرنا سالفاً… وقد قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} فحتى لو نزلت هذه الآيات فلسوف يعيدون ذلك القول.
فالحاصل: أن عدم إجابة المشركين على تعنتهم لا تعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت بآيات، فإن هذا يرده التأمل في معجزة القرآن وما نقل من معجزاته صلى الله عليه وسلم المبثوثة في كتب الحديث ودلائل النبوة.