فهرس الكتاب

الصفحة 1753 من 3657

يقول أهل التفسير في قوله تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أن نُرْسِل بِالآيات إلا أن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ } أي وَمَا مَنَعَنَا أن نُرْسِل بالآيات الَّتِي اقْتَرَحَهَا أَهْل مَكَّة إلا أن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ لَمَّا أَرْسَلْنَاهَا فَأَهْلَكْنَاهُمْ وَلَوْ أَرْسَلْنَاهَا إلى هؤلاء لَكَذَّبُوا بِهَا وَاسْتَحَقُّوا الإهلاك وَقَدْ حَكَمْنَا بِإِمْهَالِهِمْ لإتمام أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روى الطبري عن الحسن فِي قَوْل اللَّه تَعَالى: {وَمَا مَنَعَنَا أن نُرْسِل بِالآيات إلا أن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} قَالَ: رَحْمَة لَكُمْ أَيَّتهَا الأمة، أنا لَوْ أَرْسَلْنَا بالآيات فَكَذَّبْتُمْ بِهَا، أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلكُمْ. وجاء في تفسير القرطبي: وَمَا مَنَعَنَا أن نُرْسِل بالآيات الَّتِي اِقْتَرَحُوهَا إلا أن يُكَذِّبُوا بِهَا فَيَهْلِكُوا كَمَا فُعِلَ بِمَنْ كَأن قَبْلهمْ. فَأَخَّرَ اللَّه تَعَالى الْعَذَاب عَنْ كُفَّار قُرَيْش لِعِلْمِهِ أن فِيهِمْ مَنْ يُؤْمِن وَفِيهِمْ مَنْ يُولَد مُؤْمِنًا. قال الإمام ابن كثير: وَكَذَلِكَ وَقَعَ فَإن مِنْ هؤلاء مَنْ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ وَحَسُنَ إسلامه حَتَّى عَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة الَّذِي تَبِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ أَسْلَمَ إِسْلَامًا تَامًّا وَأنابَ إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.

أن المعجزات التي اقترحها هؤلاء لا تستند إلى أساس البحث عن الحقيقة، وإنما هي (اقتراحية) وتعللية، ولو نفذت طلباتهم لما آمنوا أيضًا.

هذا وأن الالتفات إلى الكلمة التي وردت في أقوال جمع من المفسرين الكبار توضح أن المعجزات على نوعين:

النوع الأول: هي المعجزات الضرورية لإثبات صدق دعوى النبي، وترغيب الناس إلى الإيمان، وتخويف المنكرين، وهي المعجزات المنطقية لناشدي الحق والباحثين عن الحقيقة، بحيث يعبر القرآن في ذيل الآية الأولى منها بقوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا} ، (سورة الإسراء: 59) .

النوع الثاني من المعجزات: هي المعجزات التي تسمى بـ (الاقتراحية) ، أي المعجزات التي يطالب بها لا لأجل سلوك سبيل الحق واليقين بصدق دعوى النبوة ومن ثم الإيمان واعتناق الإسلام، وإنما بقصد تعجيز الطرف الآخر فأن وجدوا به قدرة على ذلك اتهموه بالسحر.

والأنبياء كانوا يتجهون صوب القسم الأول ولا يستسلمون إطلاقا لمقترحات المتعللين والمعجزات الاقتراحية. وفي الأناجيل التي مع النصارى نجد أن هناك حالات لم يقدر المسيح عليه السلام أن يعمل فيها معجزات كما في مرقس 6: 5: (ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة) ويقول مرقس أيضاً: (فخرج الفريسيون و ابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه، فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية. ثم تركهم…) (مرقس 8/11-13) .

يشير لحن الآيات 90 ـ 93 من سورة الإسراء بشكل واضح إلى أن هذه المطالب العجيبة والغريبة لمشركي العرب لم يكن منشؤها هو البحث عن الحقيقة، بل الغاية منها هي اختلاق الأعذار والتشكيك في نبوة نبي الإسلام وإرساء دعائم الشرك والصنمية، ولذا لم يتمعنوا النظر حتى في مفهوم كلامهم، فمن ضمن مطالبهم مثلاً (الصعود إلى السماء) ، ثم ينفون ذلك مباشرة ويقولون: نحن لا نؤمن بذلك حتى تبعث لنا كتابا من قبل اللّه، {أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } وتارة يطلبون الأمور المستحيلة كقولهم: {وَقَالُوا لولا أنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [ الأنعام: 8 ]

ثم إذا كان الهدف هو التوصل إلى معرفة حقيقة النبي فلم يطلبون ست معجزات مختلفة؟ أليس المورد الواحد منها كافيا؟.

من هنا لم يتسن لأي نبي أن يستسلم لهذا النوع من الأراجيف والأباطيل، فضلا عن أن الإعجاز ليس من شأن النبي واختياره، وإنما هو من شأن اللّه تعالى واختياره.

أن النبي بإمكانه أن يطلب المعجزة من اللّه واللّه تعالى يضع بين يديه أي مورد يراه صالحًا، ولهذا نقرأ في ذيل الآيات 90 ـ 93 من سورة الإسراء هذا المعنى: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولاً) وكذا في سورة الرعد آية 38: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن اللّه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت