فهرس الكتاب

الصفحة 1806 من 3657

و اعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم دلا ئل نبوته و براهين صدقه ـ من هذين النوعين معاً ـ و هو أكثر الرسل معجرةً، وأبهرهم آيةً، و أظهرهم برهاناً، كما سنبينه، وهي ـ في كثرتها ـ لا يحيط بها ضبط، فإن واحداً منها ـ و هو القرآن ـ لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين، ولا أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها.

قال أهل العلم: (إنا أعطيناك الكوثر) . فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات.

ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين:

قسم منها علم قطعاً:، ونقل إلينا متواتراً كالقرآن،فلا مرية، ولا خلاف، بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم به، وظهوره من قبله، واستدلاله بحجته، وإن أنكر هذا معاند جاحد، فهو كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا. وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به، فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة ووجه إعجازه معلوم ضرورةً ونظراً، كما سنشرحه.

قال بعض أئمتنا: ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معيناً القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان معانيها على يديه، ولا يختلف مؤمن ولا كافر ـ أنه جرت على يديه عجائب، وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله.

وقد قدمنا كونها من قبل الله، وأن ذلك بمثابة قوله: صدقت.

فقد علم وقوع مثل هذا أيضاً من نبينا ضرورةً لاتفاق معانيها، كما يعلم ضرورة جود حاتم، وشجاعة عنترة، وحلم أحنف، لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا، وشجاعة هذا، وحلم هذا، وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته.

والقسم الثاني: ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع، وهو على نوعين: نوع مشتهر منتشر، رواه العدد، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ونقلة السير والأخبار، كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام.

ونوع منه اختص به الواحد والاثنان، ورواه العدد اليسير، ولم يشتهر اشتهار غيره، لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى، واجتمعا على الإتيان بالمعجز، كما قدمناه.

-قال القاضي أبو الفضل: وأنا أقول صدعاً بالحق: إن كثيراً من هذه الآيات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع:

* أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر عن وجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، ولا يُوهِن عزمَنا خلاف أخرق منحل عُرى الدين، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه.

وكذلك قصة نبع الماء، وتكثير الطعام ـ رواها الثقات والعدد الكثير عن الجماء الغفير، عن العدد الكثير من الصحابة.

-ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متصلاً عمن حدث بها من جملة الصحابة وإخبارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق، وفي غزوة بواط، وعمرة الحديبية، وغزوة تبوك، وأمثالها من محافل المسلمين ومجمع العساكر، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه، ولا إنكار لما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل، والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة أو رهبة تمنعهم، ولو كان ما سمعوه منكراً عندهم وغير معروف لديهم لأنكروه، كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن والسير وحروف القرآن. وخطأ بعضهم بعضاً، ووهمه في ذلك، مما هو معلوم، فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته لما بيناه.

وأيضاً فإن أمثال الأخبار التي لا أصل لها، وبنيت على باطل، لا بد بعد مرور الأزمان وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها، وخمول ذكرها، كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة، والأراجيف الطارئة. وأعلام نبينا هذه الواردة من طريق الأحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلا ظهوراً، ومع تداول الفرق، وكثرة طعن العدو، وحرصه على توهينها، وتضعيف أصلها، واجتهاد الملحد على إطفاء نورها، إلا قوة وقبولاً، وللطاعنين عليها إلا حسرة وغليلاً.

وكذلك إخباره عن الغيوب، وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على الجملة بالضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت