فهرس الكتاب

الصفحة 1807 من 3657

وهذا حق لا غطاء عليه، وقد قال به من أئمتنا القاضي، والأستاذ أبو بكر وغيرهما، رحمهم الله، وما عندي أوجب قول القائل: إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار وروايتها، وشغله بغير ذلك من المعارف، وإلا فمن اعتنى بطرق النقل، وطالع الأحاديث والسير لم يرْتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه. ولا يبعد أن يحصل العلم يالتواتر عند واحد ولا يحصل عند آخر، فإن أكثر الناس يعلمون ـ بالخبر ـ كون بغداد موجودة ً، وأنها مدينة عظيمة، ودار الإمامة والخلافة، وآحاد من الناس لا يعلمون اسمها، فضلاً عن وصفها، وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة وتواتر النقل عنه ـ أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام، وإجزاء النية في أول ليلة من رمضان عما سواه، وأن الشافعي يرى تجديد النية كل ليلة، والاقتصار في المسح على بعض الرأس، وأن مذهبهما القصاص في القتل بالمحدد وغيره، وإيجاب النية في الوضوء، واشتراط الولي في النكاح، وأن أبا حنيفة يخالفهما في هذه المسائل، وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلاً عمن سواه.

وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها بياناً إن شاء الله تعالى.

الفصل الثالث:

في إعجاز القرآن:

الوجه الأول: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته

-قال القاضي أبو الفضل رحمه الله:

اعلم ـ وفقنا الله وإياك ـ أن كتاب الله العزيز مُنطوٍ على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه:

أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، و فرسان الكلام، قد خصوا من البلاغة و الحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فضل الخطاب ما يقيد الألباب جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون

بديهاً في المقامات وشديد الخطب، و يرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحَن، ويهيجون الدِّمن ويجرئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملاً ويتركون النبيه خاملاً.

منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القوي.

ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكُلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية.

و كلا البابين لهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهيع الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مُرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حوَوا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، وتقاولوا في القل والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا رسول كريم، بكتاب عزيز (( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42) ، أحمكت آياته، و فصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم أفسح ما كانوا في الباب مجالاً، وأشهر في الخطابة رجالاً، وأكثر في السجع والشعر سجالاً، وأوسع في الغريب واللغة مقالاً، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخاً بهم في كل حين، ومقرعاً لهم بضعاً وعشرين عاماً على رؤوس الملأ أجمعين: (( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (يونس: 38) .

(( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة 23) * (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: 24) .

و (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: 88) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت