و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود: 13) . وذلك أن المفتري أسهل ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب، واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب، ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال له، وفلان يكتب كما يريد.
و للأول على الثاني فضل، و بينهما شأو بعيد.
فلم يزل يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضتيه، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب و التكذيب، والإغراء بالإفتراء، وقولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدّثر: 24) ، و (سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر: 2) ، و (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) (الفرقان: 4) ، و (َأسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (الأنعام: 25) ، والمباهتة والرضا بالدنية، كقولهم: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: 88) .
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت 5) . (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت: 26 ) ) والادعاء مع العجز بقولهم: (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (الأنفال: 31)
وقد قال لهم الله: (وَلَن تَفْعَلُواْ ) (البقرة: 24) ، فما فعلوا ولا قدروا. ومن تعاطى ذلك من سخفائهم ـ كمسيلمة ـ كشف عواره جميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه، من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم، بل ولوا عنه مدبرين، وأتوا مذعنين من بين مهتد و بين مفتون.
ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90) .
قال: والله، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوةً، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر.
-وذكر أبو عبيد أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ:
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94) فسجد، و قال: سجدت لفصاحته. وسمع آخر رجلاً يقرأ: (( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) (يوسف: 80)
فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام.
-وحكي أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان يوماً نائماً في المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق، واستخبره، فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها، وأنه سمع رجلاً من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها، فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة، وهي قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور: 52)
-وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية، فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحةً بعد قول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 7) ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين، وخبرين، و بشارتين.
فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته، غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين.
وكون القرآن من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أتى به معلوم ضرورة، وكونه متحدياً به معلوم ضرورة، وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة، وكونه في فصاحته خارقاً للعادة معلوم ضرورة للعالِمين بالفصاحة ووجوه البلاغة، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المفكرين من أهلها عن معارضته واعتراف المفسرين بإعجاز بلاغته.
وأنت إذا تأملت قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179 ) .
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) (سبأ: 51 ) ) .
وقوله: (إدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34) .